تشهد عدة دول إفريقية دينامية غير مسبوقة في تنظيم مؤتمرات ولقاءات إقليمية تعيد الاعتبار للأسرة، وتعلن رفضها الضغوط الدولية المرتبطة بقضايا المثلية الجنسية، الإجهاض، والتربية الجنسية المفروضة من الخارج.
من كينيا إلى رواندا، مرورا بأوغندا وسيراليون، يتبلور تيار اجتماعي وقانوني متماسك، يُقدّم نفسه كدرع قيمي ضد ما يعتبره “تغريبا تشريعيا” يهدد وحدة الأسرة وحق الشعوب في تقرير مصيرها الثقافي.
في العاصمة الكينية نيروبي، احتضن البرلمان مؤتمرا إفريقيا حول “قيم الأسرة والسيادة الوطنية”، بالتوازي مع عرض مشروع قانون يُجرّم العلاقات المثلية، ويُشدد العقوبات ضد الترويج لها في الفضاء العمومي.
وعرف المؤتمر مشاركة برلمانيين وخبراء من عدة دول إفريقية، ولاقى صدى شعبيا واسعا، وسط دعوات لحماية الأطفال من “الاستهداف المباشر من طرف منظمات خارجية تسعى لتغيير نمط التربية”.
بالموازاة، شهدت أوغندا انعقاد المنتدى البرلماني الثالث حول “الأسرة والقيم والسيادة”، بمشاركة نواب من 15 دولة، وبتنسيق مع منظمات أمريكية محافظة أبرزها “Children’s Health Defense”.
وناقش المنتدى سبل التصدي لما وصفه المنظمون بـ”الابتزاز التنموي” المرتبط بالشروط المفروضة من مانحين دوليين، والتي تلزم الحكومات بإدماج مواضيع تتعلق بـ”حقوق المثليين” ضمن أجندات التعليم والتشريع.
وفي سيراليون، يُرتقب تنظيم مؤتمر دولي في يونيو المقبل بشراكة مع الكنيسة المورمونية، للتعبئة ضد مشروع قانون يرمي إلى تقنين الإجهاض.
وتقول جمعيات نسوية محافظة إن ما يُقدّم كحرية للمرأة “يُخفي في جوهره تشريعا غير أخلاقي لتدمير مؤسسة الأسرة وإباحة قتل الأجنة باسم الحقوق الفردية”.
أما في رواندا، فتستعد شبكة “Advocates Africa” لتنظيم لقاء قانوني موسّع يضم محامين وخبراء من عدة دول إفريقية، بدعم من منظمة “ADF”، لمناقشة الإطار القانوني لحماية السيادة التشريعية في مواجهة الهيئات الأممية التي توظّف اتفاقيات دولية لفرض أجندات قيمية لا تحترم الخصوصية الإفريقية.
صحيفة The Guardian البريطانية عبّرت عن قلق واضح من هذه الدينامية، ووصفت في تقرير لها نشرته مؤخرا، المؤتمرات بـ”موجة من اللقاءات المناهضة للحقوق”، معتبرة أنها تُهدد مسار ما أسمته “التحرر الفردي” في إفريقيا، وخاصة فيما يتعلق بحقوق الأقليات الجنسية.
وربطت الصحيفة بين هذه المؤتمرات وبين صعود “شبكات مسيحية محافظة” من الولايات المتحدة وأوروبا الشرقية، تتعاون مع فاعلين محليين لتمرير قوانين تعارض التوجهات الليبرالية.
كما تطرقت الصحيفة إلى الدور المتنامي لمنظمات مثل “Family Watch International” و”World Congress of Families”، معتبرة أنها تقود جبهة مضادة لـ”التحوّل القيمي” الذي تريده المنظمات الأممية في القارة.
غير أن منسقي هذه المؤتمرات يؤكدون أن ما يقدّم كحقوق كونية “ليس سوى وجه جديد من أوجه الهيمنة”، وأن إفريقيا “لن تسمح بتحويل أطفالها إلى حقول تجريب لأيديولوجيات لا صلة لها بالهوية المجتمعية”.
ويؤكد متابعون أن ما يميّز هذه المؤتمرات ليس فقط مضمونها المحافظ، بل كونها باتت تحظى بمشروعية مؤسساتية من خلال تبني البرلمانات الوطنية لتوصياتها، وتحوّلها إلى أرضية لصياغة تشريعات جديدة تعبّر عن إرادة الأغلبية المجتمعية، لا عن توجهات نخبوية مستوردة.
في مواجهة هذا المسار، تواصل تقارير غربية الإشارة إلى “خطر انتشار القوانين المناهضة للمثلية” و”تشجيع خطاب الكراهية”، في توصيف يراه مراقبون دليلا على رفض الجهات الغربية الاعتراف بحق الشعوب في تحديد أولوياتها التشريعية وفق منظوماتها القيمية والدينية.
ورغم الانتقادات، تبدو هذه المؤتمرات جزءاً من تحول أوسع يُعيد للأفارقة ثقتهم في منظومتهم الثقافية، ويعلن رفضهم المساومة على السيادة الأخلاقية في زمن العولمة الحقوقية الانتقائية.

