سجل النحاس قفزة لافتة في الأسواق العالمية، بعدما تجاوز سعر الطن مستوى 14 ألفا و700 دولار في بورصة لندن، مدفوعا بتزايد الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، في وقت يواجه فيه الإنتاج العالمي صعوبات متزايدة في مواكبة احتياجات السوق.
وبحسب تحليل لشركة إكس تي بي، بلغ سعر النحاس نحو 14763 دولارا للطن، بارتفاع يقارب 16 في المائة منذ بداية عام 2026 ونحو 4.9 في المائة خلال شهر واحد، وسط اختلال في توزيع المخزونات العالمية وتراكم كميات كبيرة من المعدن في الولايات المتحدة بفعل المخاوف المرتبطة بالرسوم الجمركية المحتملة.
لم يعد النحاس مجرد مادة أساسية للصناعات التقليدية، بل أصبح مكونا رئيسيا في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، خصوصا مع التوسع السريع في مراكز البيانات المخصصة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتحتاج مراكز البيانات إلى كميات كبيرة من النحاس في أنظمة التبريد ومعدات الطاقة والكابلات وشبكات الكهرباء، ما يضيف ضغطا جديدا على سوق يواجه أصلا صعوبة في زيادة الإنتاج المنجمي.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن استهلاك مراكز البيانات العالمية من النحاس قد يتراوح خلال عام 2026 بين 475 ألفا و740 ألف طن، ما يعزز التوقعات باستمرار نمو الطلب على المعدن خلال السنوات المقبلة.
وتشكل السيارات الكهربائية محركا آخر للطلب على النحاس، إذ تحتاج هذه المركبات إلى كميات أكبر من المعدن مقارنة بالسيارات التقليدية، بسبب استخدامه في المحركات والبطاريات وأنظمة الشحن والأسلاك.
كما يتطلب الانتقال إلى النقل الكهربائي توسيع شبكات الكهرباء ومحطات الشحن، ما يزيد بدوره الحاجة إلى النحاس المستخدم في البنية التحتية للطاقة.
في المقابل، لا تبدو الإمدادات العالمية قادرة بالسرعة نفسها على مواكبة هذا الطلب المتنامي، إذ أشار تحليل إكس تي بي إلى تراجع إنتاج النحاس المنجمي خلال النصف الأول من العام بنحو 1.1 في المائة، ما يعزز المخاوف من اتساع الفجوة بين العرض والطلب.
وفي الصين، تجاوز عقد النحاس الرئيسي في بورصة شنغهاي مستوى 110 آلاف يوان للطن، بينما وصل السعر الفوري إلى نحو 111400 يوان، بما يعادل قرابة 16600 دولار للطن.
وفي الولايات المتحدة، ساهمت التوقعات المتعلقة بفرض رسوم جمركية على النحاس في جذب كميات كبيرة من المعدن إلى السوق الأمريكية للاستفادة من فروق الأسعار المحتملة.
وتجاوزت مخزونات بورصة كومكس 680 ألف طن متري مطلع شتنبر، وفقا لبيانات إكس تي بي، ما يعكس حجم التدفقات نحو السوق الأمريكية في ظل حالة عدم اليقين بشأن السياسة التجارية.
ورغم أن النحاس لا ينافس الذهب في وظيفته كملاذ آمن وأداة للتحوط من المخاطر، فإن الارتفاعات الأخيرة تطرح تساؤلات بشأن التحول الذي تشهده خريطة المعادن الاستراتيجية عالميا.
ويستمد الذهب دعمه أساسا من المخاطر الجيوسياسية والتضخم وأسعار الفائدة والطلب الاستثماري، بينما يرتبط صعود النحاس بالتحول الصناعي والتكنولوجي، وعلى رأسه الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وتوسع شبكات الكهرباء.
وتتوقع بعض السيناريوهات وصول سعر النحاس إلى 15 ألف دولار للطن، مع إمكانية الاقتراب من 17 ألف دولار في حال استمرار قوة الطلب وتراجع المعروض، غير أن الأسعار تظل معرضة لتصحيحات حادة إذا انحسرت المخاوف التجارية الأمريكية أو تحسن الإنتاج العالمي.
وبذلك يبرز النحاس بوصفه أحد أبرز المعادن الاستراتيجية في الاقتصاد الجديد، في وقت يحتفظ فيه الذهب بمكانته التاريخية كأداة لحفظ القيمة. وبينما يستخدم الذهب للتحوط من الأزمات، يرتبط النحاس بصورة متزايدة بالبنية التحتية التي تقود التحول التكنولوجي والطاقة في الاقتصاد العالمي.

