رغم التوسع الكبير في استخدام خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية بالمغرب، لا تزال هذه الوسائط تواجه موقفاً رسمياً يتراوح بين التحفّظ والرفض، وسط صمت تشريعي يكرّس فوضى قانونية ويلقي بظلاله على مئات الآلاف من المستخدمين والعاملين في هذا القطاع غير المُقنن.
منذ إطلاق أولى خدمات النقل الذكي بالمغرب سنة 2015، بقيت هذه الخدمات خارج دائرة القانون، في وقت يتزايد فيه الإقبال الشعبي عليها، نتيجة لما توفره من شفافية في التسعيرة، سهولة في الأداء، وإمكانية تقييم السائقين. وبالرغم من هذا الواقع، تُصرّ وزارة الداخلية على اعتبار هذه الأنشطة “غير قانونية”، بينما تتحدث وزارة النقل عن انفتاح مشروط على تقنينها دون أن تُقدم على خطوات عملية.
ويأتي هذا الوضع في وقت يستعد فيه المغرب لاحتضان أحداث رياضية كبرى مثل كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، ما يستدعي جاهزية لوجستية تشمل تطوير منظومة النقل الحضري، كما فعلت قطر وجنوب إفريقيا خلال استضافتهما لتظاهرات مماثلة، حيث اعتُمدت حلول رقمية حديثة لتلبية متطلبات التنقل السلس والآمن.
لكن خلف هذا الجدل الظاهري، تلوح أزمة أعمق تتعلق بطبيعة البنية الريعية التي تهيمن على قطاع سيارات الأجرة، والتي تجعل من أي مسعى للإصلاح تهديداً لمصالح فئات صغيرة راكمت امتيازات مالية من نظام المأذونيات المعروف محلياً بـ”الكريمات”. هذه الفئات، وفق فاعلين حقوقيين، تُقاوم أي محاولة لإرساء منافسة عادلة.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 30 ألف سائق يعملون اليوم ضمن تطبيقات النقل الذكي، في ظل بطالة شبابية تتجاوز 21%، دون أي حماية قانونية أو اجتماعية. بعض هؤلاء لجأ إلى قروض بنكية لاقتناء سيارات، وآخرون يكتفون بكرائها يومياً، ما خلق نمطاً جديداً من التشغيل يُعرف بـ”العمل المرن”، بعيداً عن الأطر التقليدية.
ويحذّر مراقبون من أن الإبقاء على هذا القطاع في المنطقة الرمادية القانونية قد يقود إلى تصعيد اجتماعي، خاصة في ظل التوتر المتكرر بين سائقي سيارات الأجرة التقليدية ونظرائهم من سائقي التطبيقات. كما أن عدم الحسم في هذا الملف يضر بصورة المغرب دولياً، خاصة في ظل تعهده بتحقيق تحوّل رقمي شامل.
ويرى محللون أن تقنين القطاع لا يعني إنهاء نشاط سيارات الأجرة التقليدية، بل يمكن أن يفتح الباب أمام شراكات جديدة، ويُشجع هذه الأخيرة على تطوير خدماتها. كما أن إدماج التطبيقات ضمن منظومة قانونية سيعزز فرص الاستثمار، ويخلق مناصب شغل دائمة، ويُمكّن الدولة من مراقبة وحماية المستخدمين والعاملين على حد سواء.
إن التحدي الذي يواجهه المغرب اليوم لا يقتصر على التكنولوجيا، بل على قدرة المؤسسات على تبني إصلاحات جريئة تتجاوز منطق الريع، وتستجيب لمتطلبات التنمية والعدالة الاجتماعية. فما يُرفض اليوم باسم “الأمن” أو “التحفظ” قد يصبح غداً ضرورة لا مفر منها، ولكن بكلفة اجتماعية واقتصادية وسياسية أكبر.

