بعد عامين فقط من واحدة من أسوأ موجات الجفاف في تاريخها، تجد قناة بنما نفسها مجددا أمام تهديد اضطرابات محتملة، مع اشتداد ظاهرة النينيو وتراجع الأمطار التي تغذي الخزانات الضرورية لتشغيل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأعلنت هيئة قناة بنما مراجعة تعهد سابق بعدم فرض قيود على حركة العبور، في ظل توقعات بموسم نينيو أطول من المعتاد قد يؤدي إلى انخفاض إضافي في منسوب المياه.
وستحدد الهيئة عدد فترات العبور اليومية عند 34 سفينة ابتداء من 4 شتنبر، قبل خفضها إلى 32 سفينة اعتبارا من 15 شتنبر، وسط مخاوف من تشديد القيود إذا استمر تراجع مستويات المياه.
وتعتمد القناة، التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ عبر ممر مائي اصطناعي يبلغ طوله نحو 80 كيلومترا، على كميات ضخمة من المياه العذبة لتشغيل منظومة الأهوسة ورفع السفن وخفضها أثناء العبور.
وتأتي هذه المياه أساسا من بحيرتي جاتون وألاخويلا الاصطناعيتين، ما يجعل حركة الملاحة مرتبطة بشكل مباشر بمستويات الأمطار والخزانات.
ويرى خبراء أن ظاهرة النينيو تمثل خطرا مباشرا على هذا النظام، إذ يمكن لارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ أن يغير أنماط الرياح ويقلص كميات الأمطار في بنما، وهو ما يضع مزيدا من الضغط على احتياطي المياه.
وقال أكاديميون وخبراء في قطاع النقل البحري إن أي خفض في عدد السفن العابرة يمكن أن تمتد تداعياته إلى سلاسل الإمداد والأسواق العالمية، بالنظر إلى أهمية القناة في حركة التجارة الدولية.
وتشير بيانات المراقبة المناخية في بنما إلى تسجيل درجات حرارة مرتفعة ومستويات أمطار أدنى بكثير من المتوسط في الأشهر الماضية، خصوصا في المناطق القريبة من القناة.
وتعيد التطورات الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي شهدتها القناة خلال 2023 و2024، عندما خفضت السلطات عدد عمليات العبور اليومية إلى 22 سفينة، بعد تراجع حاد في مستويات المياه.
وفي الظروف العادية، تسجل القناة أكثر من 30 عملية عبور يوميا، لكن تقليص هذا العدد يؤدي إلى تراكم السفن وارتفاع المنافسة على المواعيد المتاحة.
وخلال فترات الاضطراب السابقة، دفعت بعض السفن مبالغ تجاوزت مليون دولار للحصول على أولوية العبور، في حين تجاوزت إحدى الصفقات في وقت سابق أربعة ملايين دولار، وفق معطيات مرتبطة بعمليات المزاد.
وأمام ارتفاع كلفة الانتظار وصعوبة الحصول على مواعيد للعبور، بدأت شركات شحن في البحث عن بدائل، من بينها الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا.
وبحسب تقديرات متخصصة، اختار نحو نصف ناقلات الغاز المتجهة إلى آسيا خلال غشت الجاري هذا المسار الطويل، في نسبة تعد الأعلى منذ نحو عشر سنوات.
لكن هذا الخيار يفرض بدوره كلفة زمنية كبيرة، إذ يمكن أن تستغرق رحلة ناقلة غاز من هيوستن الأميركية إلى اليابان نحو 26 يوما عبر قناة بنما، مقابل نحو 45 يوما عند الإبحار حول رأس الرجاء الصالح.
وفي محاولة لإيجاد حل طويل الأمد، تدرس السلطات البنمية إنشاء خزان جديد في منطقة ريو إنديو، في مشروع تقول إنه سيساعد على تأمين احتياجات السكان وضمان تشغيل القناة خلال العقود المقبلة.
غير أن المشروع يواجه اعتراضات من نشطاء بيئيين يرون أن هناك بدائل أخرى يمكن أن توفر المياه دون الحاجة إلى إنشاء الخزان المقترح.
وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات مناخية تشير إلى اشتداد ظاهرة النينيو، مع احتمال كبير لاستمرارها بقوة خلال خريف وشتاء 2026-2027 في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
ويرى محللون أن عودة الضغوط إلى قناة بنما قد تضيف تحديا جديدا أمام قطاع الشحن العالمي، الذي يواجه أصلا اضطرابات مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف النقل والقيود المفروضة على عدد من الممرات البحرية.
وبين تراجع المياه وارتفاع الطلب على العبور، تبدو قناة بنما مقبلة على اختبار جديد قد تتجاوز تداعياته حدود أميركا الوسطى لتصل إلى طرق التجارة وأسعار الشحن وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم.

