بصم المغرب على تحول استراتيجي جديد في مجال امن التجارة البحرية، بعد ان التحق رسميا بشبكة “مبادرة امن الحاويات” الامريكية، التي تعد احدى ابرز اليات الحماية الجمركية العابرة للحدود.
وخلال هذا الاسبوع، شهدت الرباط توقيع اتفاق ثنائي بين ادارة الجمارك المغربية ووكالة الجمارك وحماية الحدود الامريكية (CBP)، يدرج ميناء طنجة المتوسط ضمن قائمة المرافئ الشريكة في تنفيذ عمليات الفحص المسبق للحاويات المتوجهة نحو الولايات المتحدة، وذلك قبل مغادرتها التراب المغربي.
ويعكس هذا التطور الثقة المؤسسية التي بات يحظى بها المغرب في المنظومات الامنية ذات الطابع العالمي، لا سيما تلك المرتبطة بحماية سلاسل الامداد وتامين حركة المبادلات البحرية.
كما يؤشر على قدرة المملكة على استيعاب وظائف متقدمة في مجال التحليل الاستخباراتي الجمركي، واندماجها في شبكات الانذار المبكر، دون المساس بمبدا السيادة التنظيمية على ترابها وموانئها.
انخراط المغرب في برنامج CSI (Container Security Initiative) لا يختزل في بعده الامني الجمركي، بل يفهم ضمن دينامية اوسع تعيد تشكيل الجغرافيا التجارية العالمية، وترتب مجددا ادوار الدول في حماية التجارة الدولية من التهديدات غير المتماثلة، وفي مقدمتها تهريب الاسلحة، والمواد المزدوجة الاستعمال، والشحنات المشبوهة.
,وقد بات طنجة المتوسط، الذي يصنف منذ سنوات ضمن الموانئ الخمسة والعشرين الاولى عالميا من حيث الربط البحري، اليوم يؤمن ليس فقط تدفقات السلع، بل ايضا استقرار جزء من النظام التجاري العابر للمحيطات.
فالادراج الرسمي في مبادرة امن الحاويات يضفي على المنصة المغربية صفة الشريك في حماية المصالح الاستراتيجية الامريكية، ويجعل من المغرب مخاطبا موثوقا في ما يعرف بامن ما قبل الوصول (Pre-arrival Security).
الاتفاق الموقع لا يمكن فقط من تعزيز قدرات الرصد والتحليل، بل يفتح المجال لتبادل مستمر للبيانات الحساسة، وتكامل في البرمجيات التحليلية، وتوحيد في بروتوكولات الاستهداف الجمركي، وهي عناصر لم تكن لتتاح دون احترام معايير تقنية ومؤسساتية معقدة، تتجاوز العتبة التقليدية للشراكة التجارية.
من خلال هذا المسار، يرسخ المغرب تموقعه كمزود موثوق به في منظومة الخدمات السيادية غير المنظورة، اي تلك التي تبنى على الثقة المؤسسية، وليس فقط على الكلفة او الموقع.
وتندرج ضمنها المهام المتعلقة بالسلامة البحرية، الحماية من التسلل الجمركي، وضمان سلامة سلاسل التوريد في المراحل ما قبل الاخيرة.
على المستوى الجيوسياسي، ياتي هذا التموقع المغربي في سياق دولي موسوم بعدم اليقين، حيث تتجه الولايات المتحدة الى اعادة توزيع بنيات الفحص الجمركي خارج اراضيها، وتكثيف الشراكات مع الدول ذات الاستقرار المؤسسي والتاهيل اللوجستي المرتفع.
وقد شكلت جائحة كوفيد، ثم تداعيات الحرب في اوكرانيا، دافعا لتسريع هذه الدينامية، بهدف تقليل نقاط الاختناق وتحييد المخاطر في منابع الامداد لا في نهاياتها فقط.
واستبق المغرب هذا التحول بتطوير هندسة جمركية متقدمة، واستثمارات ضخمة في الرقمنة والتفتيش الذكي، مما جعله مرشحا طبيعيا لاحتضان وظائف متقدمة لا تعهد بها الولايات المتحدة الا لحلفاء استراتيجيين.
ويتقاطع ذلك مع موقع طنجة كحلقة وصل حيوية بين اوروبا، افريقيا، وامريكا الشمالية، ما يجعل من اي تهديد يمر عبره شانا عابرا للامن القومي لاكثر من جهة.
على الصعيد الاقتصادي، سيسهم هذا الادماج في خفض اجال العبور نحو السوق الامريكية، وتعزيز ثقة المصنعين والمصدرين في البوابة المغربية، خاصة في القطاعات التي تستدعي امتثالا صارما للمعايير مثل صناعة السيارات، مكونات الطيران، والاجهزة الطبية.
كما سيفتح افاقا اضافية للمغرب للعب دور منصة تصفية جمركية على مستوى المنطقة، بما يقوي جاذبيته التصديرية ويعزز موقعه في مؤشرات الاداء اللوجستي.
اما على المستوى السيادي، فان المغرب يبرهن مرة اخرى على انه لا يكتفي بادارة امنه الداخلي، بل يصدر منظومته في ضبط التدفقات، ويعيد موضعة نفسه كقوة تنظيمية ضمن بنية الامن البحري العالمي.
فبينما تتراجع بعض القوى الاقليمية عن ادوارها الوظيفية، يراكم المغرب ادوات تاثير ناعمة، تبنى على المصداقية، والانضباط، والاستعداد لتحمل جزء من الكلفة الامنية لمجتمعات ما وراء الاطلسي.
في زمن لم تعد فيه التجارة تقاس فقط بموانئ الشحن، بل ايضا بمرافئ الثقة، يفرض المغرب نفسه كضامن للمسارات، وشريك في السلامة، وفاعل في اعادة هندسة امن الاقتصاد العالمي.

