لا تتوقف الجزائر عن محاولاتها اليائسة لاستهداف التراث المغربي، في إطار سياسة ممنهجة تعكس أزمة هوية عميقة تعاني منها، حيث تحاول بشكل متكرر نسب مكونات ثقافية مغربية أصيلة إلى نفسها، رغم الأدلة التاريخية الدامغة التي تثبت انتماء هذه العناصر للمغرب.
فمن الكسكس إلى القفطان، ومن فن الراي إلى شخصيات تاريخية بارزة مثل طارق بن زياد، تعمل الجزائر على إعادة إنتاج روايات زائفة بهدف بناء هوية ثقافية هجينة لا تستند إلى أي أسس حقيقية، في محاولة بائسة لسد الفراغ الثقافي الذي تعاني منه.
هذه الممارسات، التي تدخل في إطار حرب ثقافية غير معلنة، لم تعد تقابل في المغرب بالاكتفاء بالرفض أو الاستنكار، بل أصبحت تُواجه بمبادرات توثيقية وإعلامية تهدف إلى فضح هذا التزييف وترسيخ الوعي الوطني حول حقيقة الموروث المغربي.
وفي هذا السياق، يأتي مشروع “بصمة التراث”، الذي أطلقه الباحث في التاريخ محمد نبيل ملين بمعية صانع المحتوى مصطفى الفكاك (سوينغا)، كإحدى المبادرات التي تسعى إلى تقديم مرجع بصري متكامل عن التراث المغربي بأسلوب معاصر، موجه بالأساس إلى الأجيال الجديدة التي باتت تستهلك المحتوى الرقمي بشكل متزايد.
ورغم أن السلسلة لم تتعرض بشكل مباشر لمحاولات السطو الجزائري، إلا أن السياق الذي جاءت فيه يجعلها مساهمة فعالة في تحصين الوعي المغربي ضد حملات التزييف التي تقودها الجزائر.
فكما أكد ملين، فإن تملك السردية التاريخية يعد ضرورة ملحة، ليس فقط لحماية التراث المغربي، ولكن أيضًا لتعزيز الهوية الوطنية ومقاومة أي محاولات لطمسها أو إعادة تشكيلها وفق أجندات خارجية.
ويرى الباحث، في مقابلة مع وكالة المغرب العربي للأنباء، أن التاريخ ليس مجرد وقائع جامدة، بل هو أداة لفهم الذات والتفاعل مع المحيط، وهو ما يجعل مشاريع مثل بصمة التراث حاسمة في هذه المرحلة.
وجاء اعتماد الرسوم المتحركة كوسيلة لنقل هذا الموروث كخيار استراتيجي، نظرًا لقدرتها على إيصال المعلومة بطريقة جذابة وسلسة، بعيدًا عن الأساليب التقليدية التي قد تبدو منفّرة بالنسبة لجمهور واسع.
فوفقًا لملين، تمنح هذه الوسيلة إمكانية إعادة بناء المشاهد التاريخية بطريقة إبداعية، تتيح للمشاهد تجربة أكثر انغماسا وتأثيرا، ما يجعل التراث المغربي حاضرًا في الوجدان الجماعي، بعيدًا عن محاولات الطمس التي تقودها الجزائر.
كما أن هذا الشكل السردي يحقق التوازن بين الدقة الأكاديمية والجاذبية السمعية والبصرية، وهو ما يعزز من تأثير السلسلة في مواجهة حملات التشويه الجزائرية التي تعتمد على الدعاية الإعلامية المضللة لتسويق مزاعمها الزائفة.
الوعي المغربي اليوم لم يعد يقف عند حدود الإدراك السلبي لما تقوم به الجزائر، بل أصبح متحركا وفعالا، مستندًا إلى أدوات التوثيق والسرد البصري كوسائل رئيسية للتصدي لهذه الحملة العدائية.
فالمغرب، الذي يمتلك إرثا ثقافيا متجذرا يمتد عبر قرون، لا يحتاج إلى اختلاق روايات زائفة كما تفعل الجزائر، بل يسعى إلى تقديم تراثه الحقيقي بأسلوب حديث يتماشى مع تطورات العصر.
وفي هذا السياق، تشكل “بصمة التراث” خطوة في مسار طويل من تعزيز السيادة السردية المغربية، حيث بات من الضروري امتلاك القدرة على رواية التاريخ بعيون مغربية، بدل ترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات المشوهة التي تحاول جهات خارجية فرضها.
المعركة على الهوية لم تعد مجرد قضية ثقافية، بل باتت جزءًا من صراع سيادي تسعى الجزائر من خلاله إلى تقويض الحضور المغربي إقليميا ودوليا، عبر اختلاق تاريخ مزيف يفتقر إلى أي شرعية.
غير أن هذه المحاولات، التي تستند إلى منطق استعماري قديم، لم تعد تجد أي صدى أمام تصاعد الوعي المغربي بأهمية الدفاع عن موروثه، واستثمار أدوات التأثير الإعلامي لمجابهة حملات التزوير الممنهج.
وبينما تستمر الجزائر في نهجها القائم على السرقة الثقافية، يثبت المغرب مرة أخرى أنه قادر ليس فقط على الدفاع عن هويته، بل على ترسيخها كقوة ناعمة تفرض حضورها في المشهدين الإقليمي والدولي.

