وطن 24 – معاذ السباعي
تعجّ الأسواق المغربية هذه الأيام بحركة غير معتادة مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، في عام يكتمل فيه خمسة عشر قرنًا على ميلاد النبي ﷺ، امتدادٌ زمني فريد لرسالة لا تزال تلهم القلوب وتوقظ العقول حتى يومنا هذا.
فبين أزقة فاس العتيقة وممرات مراكش المزدحمة وأسواق الرباط الحديثة، تتجاور الطبول الصغيرة مع الشموع الملونة، وتعرض الحلوى التقليدية إلى جانب ألعاب مستوردة براقة. أصوات الباعة تملأ المكان، فيما تتنقل العائلات بين المحلات بحثًا عما يدخل الفرح إلى بيوتها ليلة المولد.
وإذا كانت هذه الأجواء تطبع المدن المغربية عموما، فإنها تكتسب في طنجة خصوصية مضاعفة. فهنا، في قلب المدينة العتيقة، تتقاطع الروائح الشرقية للعطور المنبعثة من دكاكين العطارين مع صخب المتسوقين الباحثين عن الجديد.
وعلى بعد خطوات، تعرض واجهات حديثة ألعابا رقمية لامعة، في حين ما تزال الزوايا القديمة تحتضن حلقات الذكر والإنشاد. بهذا التداخل اليومي، تبدو طنجة مرآة للتوازن الصعب بين روحانية الشرق ومادية الغرب.
غير أن هذا التداخل لا يقتصر على طنجة وحدها، بل يعكس مسارا أوسع في المغرب كله. فمنذ قرون ارتبط المولد النبوي بالذكر الجماعي والسماع الصوفي، لكن تغير أنماط العيش أدخل على المناسبة أبعادا جديدة. فإلى جانب الطقس الروحي، أصبحت الأسواق فضاء رئيسيًا، كما تحول العالم الافتراضي إلى منصة موازية يتقاسم فيها آلاف الشباب مقاطع وصورًا توثق استعداداتهم.
في هذا السياق، يرى الأستاذ حمزة الحساني، الباحث في الفكر الإسلامي وحوار الأديان، أن هذا التحول لا يعني بالضرورة ضياع المعنى، بل يشير إلى قدرة المناسبة على التكيّف مع روح العصر.
ويؤكد في تصريحات لجريدة وطن 24 الالكترونية، أن “المؤمن ابن وقته، يعيش في زمنه وأهله، بهويته وحضوره، يهذب كل الظروف لصالحه، ويستخدمها لما يخدم رسالة الله”.
وبدل أن تكون الأسواق فضاء للاستهلاك فقط، يمكن -بحسب الحساني- أن تُحوَّل إلى مجال للتذكير بالمولد الشريف، عبر منتجات وأكسسوارات ومظاهر احتفالية تربط الزبائن بسيرة النبي، وتعيد توجيه الانتباه نحو القيم النبوية وسط ضجيج البهرجة والاستهلاك.
أما الفضاء الرقمي، فهو في نظره “ساحة لا يجب تركها فارغة”، بل يجب استثمارها بذكاء لتصميم محتوى جذاب يعرف الناس بنور الرسول ودعوته، من بطاقات مصورة إلى كبسولات مرئية مبسطة، خاصة مع حلول الذكرى الـ1500 للمولد النبوي، التي تشكل فرصة رمزية نادرة في التاريخ الإسلامي الحديث.
ويحذر الحساني من الانسياق وراء النقاشات المستهلكة أو جلد الذات، قائلاً إن “يوقد المؤمن شمعة نور، خير من أن يبقى لاعنا الظلام”، معتبرا أن الاحتفاء الحقيقي يبدأ من تزكية الفضاءات الحديثة بدل شيطنتها، وتحويلها إلى منصات للوصل لا القطيعة.
وبين من يرى في الرقمنة فرصة لتوسيع دائرة الاحتفاء، ومن يخشى من طغيان الطابع التجاري، يبقى المولد النبوي بالنسبة للمغاربة لحظة رمزية لإعادة وصل المجتمع بسيرة النبي، وتجديد الصلة بقيم روحية تؤطر الذاكرة الجماعية وتمنحها عمقًا يتجاوز ضغوط السوق وحداثة العصر.

