يكشف التراجع الملحوظ في مؤشرات الفقر متعدد الابعاد بالمغرب خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2014 و2024 عن دينامية اجتماعية بدأت تؤتي اكلها بعد سنوات من تراكم المشاريع والبرامج الموجهة لتحسين شروط العيش وتقليص مظاهر الحرمان.
وأظهر هذا العقد، الذي يوازي تقريبا المرحلة الثانية من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبداية المرحلة الثالثة، تحولا تدريجيا في الخريطة الترابية للفقر، وهو تحول تعززه مسارات تنفيذ هذه المبادرة الملكية، وان لم تكن الوحيدة المسؤولة عن التغيير.
الدراسة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، تؤكد تراجع معدل الفقر متعدد الابعاد من 11,9 بالمائة سنة 2014 الى 6,8 بالمائة سنة 2024، اي ما يعادل انخفاضا بنسبة 43 بالمائة.
كما انخفض عدد الفقراء من نحو 4 ملايين الى 2,5 مليون نسمة، بينما تراجع المؤشر المجمع للفقر، الذي يجمع بين شدة الحرمان ونسبته، من 4,5 الى 2,5 بالمائة، في ظرف عقد واحد.
هذه المؤشرات، وان جاءت نتاجا لتقاطع سياسات ومبادرات متعددة، فان المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تبقى احد اعمدتها الاساسية، بحكم طابعها الترابي الموجه، واستهدافها للاوساط التي كانت تشكل بؤر الحرمان القصوى، لاسيما في المجال القروي.
تأثير مجالي ملموس
واكدت الدراسة ان الفقر في المغرب لا يزال ظاهرة قروية بالدرجة الاولى، حيث يقيم حوالي 72 بالمائة من الفقراء في الوسط القروي.
لكن اللافت ان التراجع الابرز في معدلات الفقر قد سجل في هذه المناطق تحديدا، حيث انخفض المعدل من 23,6 الى 13,1 بالمائة، وهو تراجع يفوق باربعة اضعاف تقريبا ما تحقق في الوسط الحضري.
ويتقاطع هذا التحول مع الفلسفة المجالية التي قامت عليها المبادرة الوطنية منذ 2005، والتي ركزت تدخلاتها في الجماعات القروية الاشد فقرا.
وتظهر الارقام المتعلقة بـ702 جماعة قروية شملتها مراحل المبادرة ان معدل الفقر انخفض فيها من 27,8 الى 15,5 بالمائة خلال الفترة نفسها، اي بتراجع يفوق 12 نقطة مئوية، مقارنة بانخفاض قدره 8,4 نقطة فقط في الجماعات غير المستهدفة.
وعند قراءة الخريطة الاقليمية، يظهر ان الاقاليم التي سجلت اوسع الانخفاضات في نسب الفقر، مثل ازيلال، وشيشاوة، والصويرة، والفحص انجرة، وشفشاون، كانت في صلب مشاريع المبادرة، سواء من خلال دعم البنيات الاساسية، او تجهيز وحدات التعليم الاولي، او تاهيل الانشطة المدرة للدخل، او مواكبة منصات الشباب خلال السنوات الاخيرة.
التحول نحو الإنسان
المقاربة التي اصبحت معتمدة لم تعد تقتصر على قياس الفقر من زاوية نقدية، بل توسعت لتشمل ابعادا اكثر تعبيرا عن واقع الهشاشة، كالصحة، والتعليم، وظروف العيش، وهي ذاتها الابعاد التي ارتكزت عليها المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
فمنذ 2019، تم تبني توجه جديد يروم تنمية الراسمال البشري، من خلال تقوية التعليم الاولي بالمناطق القروية، وتجويد الخدمات الصحية الاساسية، ومواكبة الشباب لولوج سوق الشغل.
ولا يكتفي هذا المنظور بمحاربة الفقر كحالة ظرفية، بل يسعى لكسر دورته البنيوية، عبر بناء قدرات الافراد والمجتمعات.
ويبدو من التجارب الميدانية ان المشاريع التي تعتمد على الاستمرارية والتمويل المندمج والتخطيط الترابي التشاركي، تحقق نتائج افضل في كسب رهان النجاعة.
وهنا تبرز اهمية خريطة الفقر متعددة الابعاد، التي اعدتها المندوبية، كاداة تقنية لتوجيه السياسات العمومية وفق خصوصيات كل منطقة.
ورغم ذلك، ما زالت الفوارق المجالية قائمة، سواء على مستوى الجهات او الاقاليم او الجماعات. حيث لا تزال ست جهات تتجاوز فيها معدلات الفقر المتوسط الوطني، من بينها بني ملال-خنيفرة وفاس-مكناس.
كما ان اقاليم مثل فجيج، تاونات، ازيلال، وشيشاوة ما تزال تسجل معدلات تفوق 15 و20 بالمائة، مما يستدعي مزيدا من التركيز والاستهداف.
ويطرح هذا الواقع على صناع القرار مسؤولية مضاعفة الجهود وتوجيه التدخلات بشكل ادق نحو المناطق التي تسير ببطء اكبر في ركب التنمية.
كما يعيد الى الواجهة اهمية ضمان التناغم بين مختلف البرامج القطاعية، مثل الحماية الاجتماعية، والتعليم غير النظامي، وتحسين العرض الصحي.
وضمن هذا السياق، يبدو ان المغرب بات يتجه تدريجيا الى تبني مفهوم اوسع للفقر، يتجاوز مؤشرات الاستهلاك والدخل، نحو مقاربة متعددة الابعاد اكثر تعبيرا عن الحاجيات اليومية للمواطنين، وعن التفاوتات التي قد تبقى غير مرئية في المنظورات الكلاسيكية.
رافعة لتوطين السياسات
وتاتي هذه المعطيات في ظل ترسيخ الجهوية المتقدمة كاطار دستوري وتنموي، وهو ما يمنح لخريطة الفقر متعددة الابعاد وظيفة استراتيجية جديدة، بوصفها اداة لتوطين السياسات العمومية حسب خصوصيات كل مجال ترابي.
فالمعطيات التي قدمتها المندوبية تظهر ان 50,5 بالمائة من الوحدات الترابية باتت تسجل معدلات فقر اقل من 10 بالمائة، لكن في المقابل، لا تزال 16,3 بالمائة منها تتجاوز عتبة 20 بالمائة.
وتدعو هذه التفاوتات الى اعادة رسم اولويات التدخل، لا فقط على مستوى التمويل، بل ايضا من حيث التركيز على التاطير المؤسساتي والمواكبة الاجتماعية.
عشرون سنة من العمل المتواصل ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وضعت اسس تحول عميق في العلاقة بين الدولة والمجال، وبين الفقر والسياسات العمومية.
لكن هذه الدينامية لن تبلغ مداها ما لم تستكمل بمقاربات مبتكرة للعدالة الاجتماعية، تستند الى معطيات دقيقة، وتعبئ الجماعات المحلية كفاعلين رئيسيين.
وقد تكون الدراسة التي انجزتها المندوبية السامية للتخطيط اقوى دليل على ان المغرب بات يمتلك اليوم الادوات اللازمة لفهم ادق واعمق لخريطة الفقر والهشاشة.
ويبقى التحدي في حسن توظيفها لتوسيع دوائر الكرامة، وترسيخ التمكين البشري كمرجعية لتقييم اثر السياسات، لا فقط كافق انساني.


