لم تمضِ أيام قليلة على نشر صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا مثيرا يُسائل تورط الجزائر في تحالفات أمنية غير مُعلنة مع طهران ودمشق، حتى بدأت ملامح زلزال سياسي وأمني تهزّ قصر المرادية بهدوء، وتطيح بأسماء ثقيلة من محيط الرئيس عبد المجيد تبون.
أولى التداعيات تمثلت في إنهاء مهام العقيد السابق في الاستخبارات الجزائرية شفيق مصباح، الذي كان يشغل منصب مستشار لدى رئيس الجمهورية مكلف بالشؤون السياسية والعلاقات مع الأحزاب والمجتمع المدني.
وتحدثت مصادر متطابقة عن علاقة مباشرة بين إقالة مصباح وبين ما ورد في التقرير الأميركي من معطيات خطيرة، من بينها الإشراف على نقل مقاتلين من جبهة البوليساريو إلى سوريا للقتال ضمن ميليشيات موالية للرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، بغطاء إيراني خالص.
ولم تقف التحركات عند هذا الحد. فقد تم نقل الجنرال علي أولحاج، أحد وجوه المؤسسة العسكرية، من قيادة سلاح الدرك الوطني إلى رئاسة الحرس الجمهوري، في خطوة قرأها مراقبون باعتبارها محاولة لإعادة التوازن داخل الأجهزة الموازية، وإحكام السيطرة على دوائر النفوذ المرتبطة بالحرس القديم.
كما تشير الأوساط المطلعة إلى أن مصير حميد لوناوسي، مستشار تبون المكلف بالمنظمات غير الحكومية وحقوق الإنسان، بات على المحك.
لوناوسي، الذي يعتبر من رجالات الجنرال توفيق مدين، ومن خريجي جهاز KDS، يُشتبه في لعبه دور الوسيط بين بعض الواجهات الحقوقية في الداخل وأجندات استخباراتية عابرة للحدود، وفق ما تسرّب من كواليس الرئاسة.
وتطال التحقيقات الداخلية، بحسب معطيات متوفرة، كذلك بعض الشبكات الإعلامية والمصالح الاستراتيجية، من بينها اتصالات الجزائر، حيث يُتداول احتمال الإطاحة بعادل بن تومي، الرئيس المدير العام للمؤسسة، والمقرّب بدوره من شفيق مصباح.
وتتحدث الوثيقة المُسربة التي أرفقتها “واشنطن بوست” بتقريرها، والمنسوبة لجهاز أمني سوري، بوضوح عن تعاون استخباراتي بين الجزائر ودمشق يعود إلى ما بعد انتخابات 1992، ويتهم الجزائر بـ”تصنيع معارضة مفبركة” في سوريا، وتسهيل دعم لوجستي وعسكري لمليشيات غير نظامية.
غير ان الأخطر من ذلك، هو أن الوثيقة تُدرج البوليساريو ضمن هذا المسار، وتعتبرهم “قوة تحت الطلب” يتم تحريكها بما يخدم حسابات إقليمية، بعضها يستهدف التوازنات الجيوسياسية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
وتأتي هذه المعطيات لتُغذي من جديد الجدل حول الوجه الخفي للبوليساريو، التي لم تعد مجرد ورقة نزاع إقليمي في نظر المتتبعين، بل باتت تُطرح كفاعل أمني موازٍ، توظّفه الجزائر خارج الحدود، في ملفات تتجاوز قضية الصحراء المغربية بكثير.
بالنسبة للمغرب، فإن ما ورد في تقرير “واشنطن بوست” لا يشكل مفاجأة، بل يُعيد تأكيد ما سبق أن أثارته تقارير استخباراتية دولية عن الطابع الميليشيوي المسلح للبوليساريو، وعلاقاتها المعقدة بإيران، التي كانت سببا مباشرًا في قطع الرباط لعلاقاتها الدبلوماسية مع طهران في 2018.
وفي وقت تلتزم فيه السلطات الجزائرية الصمت تجاه ما نُشر، تتجه الأنظار إلى المؤسسة العسكرية لمعرفة ما إذا كانت هذه التحولات في المناصب تُؤشر فعلاً إلى نقطة لا عودة في تطهير الرئاسة من رجال المخابرات القديمة، أم أنها مجرد محاولة لامتصاص الصدمة الإعلامية الأميركية.
من قلب “عاصفة الواشنطن بوست”، تتكشف طبقات جديدة من صراع الصقور داخل النظام الجزائري، حيث بات الظل يطارد نفسه، وتاريخ الأجهزة يلاحق رجالاته في عزّ النهار.

