اثار الحكم القضائي الصادر ضد الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، والقاضي بسجنه سبع سنوات نافذة، موجة ادانات حقوقية واعلامية جديدة، مسلطا الضوء على المنعطف القمعي الذي تتخذه السلطات الجزائرية تجاه حرية التعبير، تحت غطاء قانون مكافحة الارهاب، في سياق يتهم فيه النظام العسكري الحاكم بخنق المجال العمومي بشكل ممنهج.
وادين غليز، الذي كان بصدد انجاز تحقيق رياضي ميداني حول نادي شبيبة القبائل، بتهم “تمجيد الارهاب” و”حيازة منشورات ضارة بالمصلحة الوطنية”، عقب مقابلة صحافية اجراها مع احد مسؤولي النادي المرتبطين بالحركة الثقافية الامازيغية.
واعتقل الصحافي الفرنسي في مايو 2024، ليبقى قيد المتابعة طيلة ثلاثة عشر شهرا قبل ان يصدر في حقه الحكم الثقيل نهاية يونيو الجاري، وسط صمت رسمي يكشف حجم التوتر الذي يطبع العلاقة بين السلطة العسكرية ومجال الصحافة الحرة.
وتندرج هذه القضية ضمن سلسلة متصاعدة من المحاكمات التي تستهدف الصحافيين والناشطين والكتاب، في بلد يتهم باستعمال ترسانة من القوانين الغامضة لاسكات كل صوت خارج عن الخط الرسمي.
فمنذ 2021، اعيد احياء تهم “الاشادة بالارهاب” و”المساس برموز الدولة” و”الاضرار بالوحدة الوطنية”، لتصبح ادوات قضائية جاهزة في مواجهة التعبير السلمي عن الراي، سواء تعلق الامر بتدوينة او تقرير او حتى مقابلة صحافية.
وتحذر منظمات دولية من ان الجزائر باتت اليوم واحدة من اكثر البيئات عداء للصحافة في المنطقة، حيث اغلقت عشرات المواقع الالكترونية المستقلة، وتم سجن صحافيين بارزين على خلفية مقالات او تغطيات ميدانية، في حين اجبر اخرون على مغادرة البلاد او التزام الصمت.
وتتهم هذه المنظمات السلطات الجزائرية بتحويل القضاء الى اداة في يد جهاز امني غير خاضع للمساءلة، في ظل استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على مراكز القرار.
ويشير مراقبون الى ان النظام القائم، الذي يعاني من ازمة مشروعية داخلية، يسعى الى تطويق اي صوت يمكن ان يفضح هشاشته او يطرح تساؤلات حول ادارة الشان العام، خصوصا في مناطق مثل القبائل التي تشهد حساسية تاريخية وثقافية متجذرة.
ففي الوقت الذي يمنع فيه الحديث عن الفساد او الحريات او الهوية، تفتح ابواب المحاكم على مصراعيها لمن يتجرأ على كسر جدار الصمت.
وبينما تواصل السلطات خطاباتها حول الانفتاح والاصلاح، تكشف الوقائع عن واقع يزداد انغلاقا، حيث باتت السجون تحتضن كتابا وصحافيين وطلبة، فيما تحظر الاجتماعات الثقافية والحقوقية بشكل متواتر، وتخنق الجمعيات المدنية بقوانين صارمة تمس جوهر حرية التنظيم.
وبالنسبة لكثير من الاصوات الحقوقية، فان الحكم على صحافي اجنبي بالسجن سبع سنوات لا يعد فقط اهانة للقيم الديمقراطية، بل رسالة ترهيب موجهة لكل من لا يزال يؤمن بالكلمة الحرة، ويجرؤ على مساءلة السردية الرسمية، في بلد يزداد انزلاقه نحو حكم الفرد وعبادة المؤسسة.

