أجمع خبراء وأكاديميون اوروبيون، على أن الاتفاق الفلاحي المعدل بين المغرب والاتحاد الأوروبي يكرّس شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، ويعزز الدينامية الاقتصادية المتواصلة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، من خلال ضمان إطار قانوني مستقر وتنويع آفاق الاستثمار وتعميق التعاون في مجالات حيوية كالفلاحة والتنمية المستدامة.
جاء ذلك، ضمن تصريحات نقلتها وكالة المغرب العربي للأنباء عن عدد من الخبراء والباحثين من إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا، عقب توقيع الاتفاق الذي أعاد تأكيد الامتيازات التفضيلية الممنوحة للمنتجات الفلاحية القادمة من جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب.
ووقع المغرب والاتحاد الأوروبي، الجمعة، بمقر المفوضية الأوروبية ببروكسيل، على تبادل الرسائل المعدلة للاتفاق الفلاحي، في خطوة تؤكد استمرار التنسيق بين الطرفين ضمن رؤية منسجمة مع مبادئ الشراكة والتوافق، كما جاء في البيان الرسمي. وسيدخل الاتفاق حيز التنفيذ بشكل مؤقت وفوري، في انتظار استكمال المساطر الداخلية لدى الجانبين.
ويقصد بـ”تبادل الرسائل” في هذا السياق تبادل وثائق قانونية رسمية بين الطرفين، تُلحق بالاتفاق الأصلي كجزء لا يتجزأ منه، وتُستخدم لتعديل أو توضيح بعض بنوده دون الحاجة إلى توقيع اتفاق جديد. وتُعد هذه الصيغة وسيلة دبلوماسية معتمدة لإقرار التعديلات الفنية أو السياسية ذات الطابع الحساس، وتكتسب قوتها القانونية مباشرة بعد التوقيع.
ويشكل هذا الاتفاق امتدادا لتفاهمات سابقة، أبرزها تبادل الرسائل الموقّع عام 2018، ويؤكد استفادة المنتجات الفلاحية القادمة من الأقاليم الجنوبية للمملكة من نفس شروط الولوج التفضيلي إلى السوق الأوروبية، المعتمدة لباقي جهات المغرب.
كما يتضمن الاتفاق تدابير تقنية تهم تحسين التتبع، واعتماد ملصقات تحدد مصدر الإنتاج بشكل دقيق، في تجاوب مع مقتضيات الشفافية وحماية المستهلك الأوروبي.
ويرى الخبير الإسباني بيدرو إينياشو ألتاميرانو أن الاتفاق “فرصة تاريخية” لتعزيز التعاون المغربي الأوروبي، الذي وصفه بأنه “أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى”.
وأضاف ألتاميرانو أن الأقاليم الجنوبية للمملكة تعرف طفرة تنموية متسارعة، ويتيح لها هذا الاتفاق إمكانية أكبر للاندماج في الدورة الاقتصادية الأورو-متوسطية.
من جهته، قال الخبير الإيطالي دومينيكو ليتيزيا إن الاتفاق “لا يعكس فقط الدور المحوري للمغرب باعتباره الشريك الاقتصادي الأول لأوروبا في إفريقيا والعالم العربي، بل يؤكد كذلك وحدة التراب المغربي على المستوى الاقتصادي، من خلال الامتيازات التفضيلية الممنوحة للمنتجات الفلاحية القادمة من الداخلة والعيون”.
وأكد أن هذه الخطوة تعزز قابلية تتبع المنتجات بفضل ملصقات دقيقة، وتدعم حماية المستهلك الأوروبي دون الإخلال بحق المغرب في تثمين منتجاته الوطنية.
واعتبر رئيس الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادير)، رشيد بنعلي، أن الاتفاق الجديد سيمكن من تجاوز إكراهات قانونية كانت تعيق توسيع الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، لا سيما في قطاعي الإنتاج والتحويل الفلاحي.
وأضاف أن هذه المناطق تتوفر على مؤهلات كبيرة، وستُدعم بمشاريع مهيكلة كميناء الداخلة الأطلسي، ما يجعل منها قاعدة لوجستية ومالية مفتوحة على إفريقيا.
وقال الخبير هيرفي جوانجان، المدير العام الأسبق بالمفوضية الأوروبية، إن الاتفاق “يوفر إطارا صلبا يبعث برسائل ثقة إلى القطاع الخاص”، معتبرا أنه خبر سار للمستثمرين الذين ينتظرون وضوحا قانونيا قبل إطلاق مشاريعهم في جنوب المغرب.
وأضاف أن تعزيز العلاقات مع الرباط أمر “أساسي لأمن أوروبا الاقتصادي والسياسي”، خصوصا بالنظر إلى الدور المغربي في الاستقرار الإقليمي والتعاون مع إفريقيا جنوب الصحراء.
أما الخبير في التجارة الدولية أندرو جونسون، فاعتبر الاتفاق “مؤشرا إيجابيا” على متانة الشراكة المغربية الأوروبية، مشيرا إلى أنه سيفتح آفاقا جديدة للتعاون والاستثمار ويتيح فرصا إضافية لخلق الثروة والشغل لدى الطرفين.
وقال الجامعي الإسباني رافائيل إسبارزا ماتشين إن الاتفاق يندرج ضمن سيرورة تنموية شاملة تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، مذكّرا بأن هذه الجهات تستفيد من استثمارات ضخمة في البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، ضمن رؤية مغربية واضحة المعالم.
واعتبر أن الاتفاق المعدل يُعزز هذا المسار، ويعكس التحولات الملموسة التي جعلت من الصحراء المغربية من بين أكثر المناطق دينامية وحداثة في القارة الإفريقية.
ويشكّل الاتفاق الذي وُقّع في بروكسيل خطوة جديدة نحو ترسيخ شراكة متقدمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ويرجّح مراقبون أن يسهم بشكل مباشر في دعم الناتج الفلاحي الوطني، وتوفير مناخ قانوني واستثماري أكثر وضوحا، خاصة في مناطق الجنوب التي أصبحت محط اهتمام متزايد لدى الفاعلين الاقتصاديين الأوروبيين.

