أعادت الذكرى 23 لأزمة جزيرة ليلى، الواقعة قبالة الساحل الشمالي المغربي، إلى الواجهة الخطاب السيادي المرتبط بمطالبة الرباط بتحري سبتة ومليلية، وذلك في سياق إحياء واقعة توتر فجرتها الحكومة الإسبانية في يوليو 2002 خلال ولاية رئيس الوزراء المحافظ خوسيه ماريا أثنار، إثر إنزال عسكري فوق الجزيرة التي تعتبرها الرباط جزءا من ترابها الوطني.
وشهدت مدينة الفنيدق، المحاذية لمدينة سبتة المحتلة، السبت، لقاء جمع عددا من النشطاء المغاربة يتقدمهم يحيى يحيى، الرئيس السابق لما كان يعرف بـ”اللجنة المغربية لتحرير سبتة ومليلية”، في مبادرة ترمي إلى إعادة هيكلة المطالب المتعلقة بالمناطق المحتلة من طرف إسبانيا، عبر خلق تنسيقية جديدة حملت اسم “التنسيقية الوطنية للدفاع عن قضايا المملكة المغربية”.
وأكد المنظمون أن الاجتماع يندرج في إطار ما وصفوه بـ”تفعيل مبادرات مدنية مسؤولة لمواكبة التوجهات الرسمية في الدفاع عن السيادة الوطنية”، مشددين على أن قضيتي سبتة ومليلية يجب أن تكونا ضمن أولويات الفعل المدني إلى جانب ملف الصحراء المغربية.
وقال يحيى يحيى في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن “اللقاء يشكل مساهمة في مسار الترافع الوطني المتزن حول قضايا السيادة”، مبرزا أن “مطلب استعادة المدينتين المحتلتين لا يندرج ضمن التصعيد، بل ضمن رؤية عقلانية منسجمة مع خطاب الدولة المغربية”.
وعاد اسم جزيرة ليلى، التي تعرف أيضا باسم “بيريخيل”، إلى التداول السياسي والإعلامي بعد أن قرر نشطاء اللجنة تنظيم هذا اللقاء بالتزامن مع الذكرى السنوية للحادث الذي وقع صيف 2002، حين قام جنود مغاربة بتمركز رمزي فوق الجزيرة، قبل أن تتدخل القوات الإسبانية بشكل عسكري لإجلائهم، في واحدة من أندر لحظات التوتر المباشر بين البلدين في العقود الأخيرة.
وكان المنظمون يعتزمون التوجه مجددا إلى الجزيرة لإحياء الذكرى بشكل رمزي، لكن النشاط اقتصر في النهاية على اجتماع بمدينة الفنيدق، بسبب ما وصفوه بـ”اعتبارات ميدانية وتنظيمية”.
ووفقا لبيان صدر عقب اللقاء، فقد حددت التنسيقية الجديدة ثلاث أولويات. المطالبة باستعادة سبتة ومليلية عبر مسار دبلوماسي مواز. التصدي لما سمي بـ”الأصوات المعادية التي تستغل بعض الحساسيات الوطنية، خاصة في منطقة الريف، لنشر خطابات مناوئة للمصالح العليا للمغرب بدعم خارجي”. وأخيرا، إطلاق مبادرات ترافعية تتماشى مع التوجهات الملكية في الدفاع عن القضايا الوطنية.
كما وجهت التنسيقية انتقادات حادة للحزب الشعبي الإسباني على خلفية استقباله لوفد عن جبهة البوليساريو خلال مؤتمره الأخير، معتبرة أن هذا السلوك “يتنافى مع روح الشراكة والتفاهم الاستراتيجي بين الرباط ومدريد”، ومحذرة من “إمكانية تصاعد التوترات في محيط المدينتين المحتلتين إذا استمر هذا النهج العدائي”، بحسب تعبيرها.
ويأتي هذا التحرك بالتوازي مع بث منصة Movistar Plus+ الإسبانية وثائقيا جديدا بعنوان “بيريخيل، الحرب التي لم تقع”، يتناول أزمة 2002 من خلال شهادات أكثر من أربعين شخصية، بينهم رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه ماريا أثنار، ووزيرا دفاعه وخارجيته فيديريكو تريو وآنا بالاثيو.
ويرى مخرج الوثائقي تيان ريبا أن تلك الحادثة كانت “أقرب نقطة إلى صدام مباشر بين المغرب وإسبانيا منذ المسيرة الخضراء في 1975”.
وتعتبر سبتة ومليلية من الملفات المعقدة في العلاقات المغربية الإسبانية، إذ تصر مدريد على اعتبار المدينتين “جزءا من السيادة الإسبانية”، بينما ترى الرباط أنهما “من بقايا الاستعمار الذي يتناقض مع مبادئ حسن الجوار والشراكة المتكافئة في حوض المتوسط”.
وبين الموقف الرسمي المغربي الذي يراهن على الحوار طويل النفس، والمبادرات المدنية التي تتجدد في كل ذكرى رمزية، يبدو أن ملف المدينتين لن يغيب عن الأجندة الوطنية، وإن بصيغة غير تصادمية.
فبالنسبة لكثير من الفاعلين في المغرب، لا تزال استعادة سبتة ومليلية حلقة ناقصة في مشروع استكمال السيادة الترابية للمملكة.

