في ظل ما توصف بجهود مؤسساتية متواصلة لتأمين مواكبة ميدانية لعملية مرحبا، يشهد الربط الجوي بين المغرب ومختلف العواصم الاوروبية ارتفاعا غير مسبوق في الكلفة الاجمالية، ما أثار تساؤلات حول محدودية نجاعة العرض الاستيعابي، وانعكاس سياسة تحرير النقل على القدرة الفعلية للجالية على زيارة الوطن خلال ذروة الموسم الصيفي.
ورغم الاعلان عن توسيع شبكة الخطوط الجوية المؤمنة نحو التراب الوطني، عبر الترخيص لـ 59 شركة طيران لتأمين ما يناهز 2135 رحلة جوية اسبوعيا انطلاقا من 141 مطارا دوليا، الا ان مؤشرات السوق كشفت عن فجوة كبيرة بين العرض المعلن وكلفة الوصول الفعلية.
وتؤكد معطيات منشورة على المواقع الرسمية لشركات الطيران ان اسعار التذاكر في معظم الخطوط القادمة من اوروبا تجاوزت العتبة النفسية التي تتيح توازنا بين العرض التجاري وانتظارات الجالية.
وفي عينة من الخطوط الرابطة بين مطارات فرنسية وايطالية وبلجيكية من جهة، ومطارات الدار البيضاء وطنجة وفاس ووجدة من جهة ثانية، تراوحت اسعار التذكرة ذهابا وايابا بين 283 و480 يورو للفرد الواحد، حسب تاريخ الحجز والمشغل الجوي.
وتعرض الخطوط الملكية المغربية مثلا تذكرة من باريس الى الدار البيضاء بسعر 283 يورو، بينما يصل السعر في خط ميلانو – الدار البيضاء الى 480 يورو، وفق ما تم رصده يوم 25 يوليوز.
اما في الفئة الاقتصادية غير المصنفة ضمن الناقلات الوطنية، فقد سجلت شركة العربية للطيران اسعارا تتراوح بين 138 و174 يورو لرحلات الذهاب فقط، دون احتساب الامتعة اليدوية او المسجلة، في حين تستثنى الرسوم المرافقة من السعر الابتدائي المعروض في واجهات الحجز، ما يرفع الكلفة النهائية عند الدفع.
وبحسب منصة Kayak المتخصصة في مقارنة العروض، بلغ متوسط كلفة التذكرة في يوليوز 2025 حوالي 800 يورو، مع تسجيل ذروات بلغت 1050 دولارا في الاسابيع الاخيرة، لا سيما على الخطوط المرتبطة بالمدن الكبرى.
وتفيد تحليلات ميدانية ان أسرة مكونة من اربعة اشخاص قد تضطر الى رصد ميزانية تتجاوز 5000 يورو لتأمين السفر نحو المغرب خلال هذه الفترة، وهو ما دفع العديد من الاسر الى مراجعة قرارها بشأن العودة الموسمية.
من بين هذه الحالات، تورد سميرة ب، وهي مهاجرة مغربية تقيم في ضواحي باريس، انها اضطرت الى تعليق رحلتها نحو المغرب هذا العام بسبب ما وصفته بـ عدم واقعية التكاليف مقارنة بالدخل الاسري. وتقول: رغم محاولات الحجز المبكر ومقارنة العروض، ظلت الكلفة النهائية مرتفعة، ما جعلنا نؤجل الزيارة رغم الشوق.
وفي السياق نفسه، وجهت النائبة البرلمانية قلوب فيطح، عن فريق الاصالة والمعاصرة بمجلس النواب، سؤالا كتابيا إلى وزير النقل واللوجستيك، عبّرت فيها عن تذمر واسع وسط مغاربة العالم من الارتفاع المسجل في اسعار تذاكر النقل البحري، وما رافقه من رسوم اضافية مفروضة دون اشعار مسبق.
واعتبرت النائبة ان العطلة الصيفية تمثل “مناسبة سنوية لصلة الرحم بين مغاربة العالم واهلهم وذويهم داخل بلادنا، وما يرافق ذلك من رواج تجاري وسياحي على قدر كبير من الاهمية”، الا ان هذه العملية، تضيف البرلمانية، “تثقل بكلفة تذاكر النقل البحري التي تعرف ارتفاعا كبيرا، وبنيات الاستقبال، الامر الذي يحول عائقا حقيقيا دون زيارة مغاربة العالم لبلدهم الام، وحرمانهم من دفء العطلة الصيفية بين افراد الاهل والاحباب”.
وسجلت في المراسلة ان ما اثار استياء فئة واسعة من المهاجرين “هو فرض أداء مبالغ اضافية محددة في 10 اورو، وفي حالة الرغبة في تغييرها”، وهو ما عدّته سلوكا غير متلائم مع طبيعة الخدمة ولا مع السياق الاجتماعي لعملية مرحبا.
وخلصت النائبة بمطالبة الوزير الوصي بتوضيح “الاجراءات والتدابير المتخذة على سبيل الاستعجال لمراجعة تذاكر النقل البحري، وجعلها في اثمنة مناسبة، والتراجع الفوري عن المطالبة بأداء مبالغ اضافية في حالة الرغبة في تغييرها”.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة باستمرار ان سوق النقل الجوي بالمغرب محرر منذ سنة 2006، وان الاسعار تخضع لمنطق العرض والطلب، مع تشجيع الحجز المبكر والاستفادة من العروض الترويجية.
غير ان عددا من الفاعلين المدنيين يعتبرون ان هذا المنطق التجاري المحض، حين يُطبق على ذروة الموسم، لا يواكب البعد المؤسساتي الذي يفترض ان تؤطر به عملية مرحبا، باعتبارها واحدة من اهم عمليات الاستقبال الموسمي في حوض المتوسط.
ويؤكد هؤلاء ان الخطاب الرسمي الذي يربط بين مغاربة العالم والتنمية الوطنية، ينبغي ان يُترجم الى سياسات دعم ملموسة، خاصة وان تحويلات الجالية المغربية سجلت سنة 2024 ما مجموعه 114 مليار درهم، وفق اخر تقارير مكتب الصرف، وهو ما يمثل موردا استراتيجيا لا يقل وزنا عن صادرات الفوسفاط او عائدات السياحة.
في غياب مقاربة متعددة الابعاد، تزاوج بين متطلبات السوق ومقتضيات العدالة الترابية والسفر الوجداني، تظل كلفة العودة الموسمية الى المغرب مرشحة للمزيد من التفاوت، ما يُضعف مسارات التمكين المؤسساتي للجالية، ويحول صيف العودة الى فصل من التردد والاعباء المتراكمة.

