لم يعد الحديث عن احتمال تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة ارهابية مجرد فرضية متداولة في الاوساط المغربية، بل تحول الى مسار دولي متسارع تغذيه مؤشرات ميدانية وتراكمات دبلوماسية، دفعت عددا من العواصم الغربية الى اعادة تقييم تعاطيها مع كيان مسلح مدعوم من الجزائر ويعمل خارج مظلة الشرعية الدولية.
وتتهم الجزائر، التي تحتضن الجبهة على اراضيها وتوفر لها الدعم المالي والعسكري، بتبني خطاب صبياني في تعاطيها مع الملف، يتمثل في التصعيد غير المسؤول، ورفض الواقعية السياسية، وتغذية منطق المواجهة العقيم.
هذا السلوك، حسب مراقبين، لم ينعكس فقط على مواقف البوليساريو، بل على طبيعة تحركاتها الميدانية التي تتسم بمخاطرة متزايدة تجاه الامن الاقليمي.
وقد شكل هجوم البوليساريو الصاروخي الاخير قرب السمارة، الذي استهدف محيط نقطة تابعة لبعثة المينورسو، دون ان يخلف خسائر بشرية، لحظة كاشفة.
فقد سارعت الجبهة الى تبني العملية بلغة دعائية مفرطة، عاكسة عجزها عن تقديم اي مبرر سياسي لتحركاتها المسلحة، في وقت تعيش فيه عزلة متزايدة، مع انحسار الاعترافات الدولية بما تسميه “الجمهورية الصحراوية”.
ويعتبر دبلوماسيون ان هذا النوع من العمليات، وان لم يكن الحدث الوحيد، يراكم الانطباع بان البوليساريو لم تعد مجرد طرف سياسي انفصالي، بل كيان ميليشياوي يستخدم العنف في الرد على تآكل شرعيته. وهو ما يعجل، في نظرهم، بطرح مسألة التصنيف الارهابي على طاولة المؤسسات الدولية.
ويأتي هذا التحول في النظرة الدولية متزامنا مع طرح مشروع قانون داخل الكونغرس الامريكي يدعو صراحة الى تصنيف البوليساريو منظمة ارهابية اجنبية، وهو ما يعكس تغيرا متقدما في موقف بعض دوائر القرار في واشنطن، نتيجة تراكم مؤشرات ميدانية وامنية تؤكد ان الجبهة باتت تشكل تهديدا اقليميا متزايدا.
ويرى مراقبون ان المبادرة، وان لم تنطلق من الهجوم الاخير قرب السمارة، الا انها تجد فيه دليلا اضافيا على الطبيعة العدائية لكيان مسلح مدعوم بشكل مباشر من النظام الجزائري.
وفي هذا السياق، يرى خبراء ان الطابع الفوضوي الذي تتصرف به الجبهة ليس معزولا عن التوجيه الجزائري، بل يعكس استراتيجية مكشوفة هدفها ارباك مسار الامم المتحدة، والضغط عبر تحركات عسكرية لا اثر لها سوى على مستوى الصورة الدعائية.
لكن هذه “الصبيانية السياسية”، كما يصفها محللون مغاربة، بدأت ترتد على اصحابها، خاصة في ظل تغير المزاج الدولي.
ففي مقابل الاتهامات المتزايدة للبوليساريو بالارتباط بجهات مشبوهة في الساحل، تتقدم المبادرة المغربية بالحكم الذاتي بهدوء وثبات، وتحصد دعما متناميا من عواصم القرار، بما في ذلك واشنطن، ومدريد، وباريس، والعديد من دول افريقيا واسيا.
واذا كانت بعض الدوائر السياسية في الغرب تتردد في اعتماد توصيف “الارهاب” رسميا على الجبهة، فان تحولها الى عبء امني على الاستقرار الاقليمي يجعل هذا الخيار اقرب من اي وقت مضى، خاصة اذا تكررت العمليات من هذا النوع، او ثبت تورطها في شبكات عابرة للحدود.
اما النظام الجزائري، الذي بنى سياسته الخارجية طيلة عقود على مناورات الصحراء، فيجد نفسه اليوم في مواجهة خيارات ضيقة: اما فك الارتباط مع مشروع فاشل، او الاصطدام تدريجيا بحائط العزلة الدولية.

