وسط سباق عالمي محموم على الريادة التكنولوجية، تتصاعد حدة التوترات السياسية والعسكرية حول العالم مع دخول البشرية في قلب الثورة الصناعية الرابعة، وهي ثورة تعيد تشكيل العلاقة بين الاقتصاد والتكنولوجيا والموارد الطبيعية.
وتبرز المعادن النادرة والحرجة في قلب هذا التحول، باعتبارها العصب الرئيسي للتقنيات الحديثة من بطاريات السيارات الكهربائية إلى أنظمة التوجيه العسكرية.
في قلب هذه التحولات، تسعى القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين إلى تأمين احتياطاتها الاستراتيجية من معادن مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والغرافيت، التي أصبحت شرطا أساسيا لأي تفوق صناعي أو عسكري.
تشير تقارير دولية إلى أن الانتقال من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة ساهم في رفع الطلب العالمي على المعادن المستخدمة في تقنيات الطاقة النظيفة.
فصناعة السيارات الكهربائية وحدها تحتاج إلى ستة أضعاف كمية المعادن مقارنة بالسيارات التقليدية، ما أدى إلى تضاعف الطلب على الليثيوم ثلاث مرات، وارتفاع الطلب على الكوبالت بنسبة سبعين بالمئة منذ عام 2005.
حذر تقرير صادر عن وزارة الطاقة الأميركية من أن ستة معادن حيوية تواجه مخاطر في سلاسل الإمداد على المدى القصير، في ظل الطلب المتزايد عليها وتوزيعها الجغرافي المحدود.
أفريقيا، وتحديدا جمهورية الكونغو الديمقراطية، باتت مركزا لصراع دولي محتدم بسبب امتلاكها نحو نصف احتياطي العالم من الكوبالت، وإنتاجها أكثر من سبعين بالمئة من هذا المعدن الاستراتيجي.
ويُعتقد أن منجم مانون في الكونغو يحتوي على أكثر من ستة ملايين طن متري من الليثيوم، ما يجعله محط أنظار كبرى شركات التقنية والحكومات الغربية.
لكن وفرة الموارد لم تجلب الرفاهية للكونغوليين، بل فجرت صراعات داخلية وخارجية، كان آخرها الهجوم الدامي الذي شنته جماعة “إم 23” المدعومة من رواندا، وأسفر عن مقتل الآلاف ونزوح عشرات الآلاف.
وتتهم كينشاسا رواندا بالسعي للسيطرة على الثروة المعدنية، وهو اتهام تؤكده تقارير غربية أشارت إلى أن رواندا أصبحت مصدرا رئيسيا للمعادن رغم افتقارها إلى مناجم داخل حدودها.
في المقابل، تتطلع واشنطن إلى الحصول على موطئ قدم في هذا السباق، إذ دخلت في محادثات مع حكومة الكونغو للحصول على حقوق التنقيب مقابل دعم عسكري وسياسي لمواجهة الجماعات المسلحة.
في مشهد يعكس عودة منطق الجغرافيا الاستراتيجية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغبته في ضم جزيرة غرينلاند من الدنمارك، في خطوة قال إنها ضرورية للأمن القومي الاقتصادي، نظرا لاحتياطاتها الكبيرة من المعادن النادرة.
كما أطلق تصريحات مثيرة بشأن إمكانية ضم كندا، ما زاد حدة التوتر مع أوتاوا.
وتسعى واشنطن أيضا إلى تأمين حصتها من ثروات أوكرانيا المعدنية، التي تمتلك عشرة بالمئة من احتياطيات الليثيوم العالمية. ووقع الجانبان اتفاقا يمنح الولايات المتحدة أولوية الاستحواذ على الموارد، وسط تصاعد التوتر بين كييف وموسكو.
تقول مراكز الأبحاث إن الولايات المتحدة أصبحت تعتمد على الصين في أكثر من نصف حاجتها من 25 معدنا استراتيجيا، ما دفع واشنطن إلى محاولة تنويع مصادرها والحد من نفوذ بكين في سلاسل التوريد.
وأمام هذا التنافس الشرس، بدأت دول مثل إندونيسيا وتشيلي والمكسيك في تبني سياسات وطنية لحماية ثرواتها، من خلال حظر تصدير المواد الخام أو تأميم قطاعات التعدين بهدف بناء سلاسل إنتاج محلية.
وبينما تتحرك الدول الصناعية الكبرى لتأمين معادن المستقبل، تجد الدول النامية التي تمتلك تلك الموارد نفسها تحت ضغط شديد، بين خيار الشراكة أو الانخراط في نزاعات مفتوحة قد تكرر مشهد الحروب الكولونيالية في صيغة جديدة.

