في قلب مدينة طنجة، يشهد حي المصلى تحولا تدريجيا نحو فضاء مشترك يتقاسمه السكان المحليون ومهاجرون قادمون من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في مشهد يومي تختلط فيه الثقافات واللغات داخل سوق شعبي ينبض بالحركة.
بين الأزقة الضيقة والبسطات الممتدة على جانبي الطريق، لا يبدو الانتماء الجنسي أو العرقي عائقا أمام الممارسة الاقتصادية. فالباعة المغاربة يتقاسمون المكان مع مهاجرين أفارقة، بعضهم استقر في الحي منذ سنوات، ووجدوا فيه ملاذا للعيش والعمل رغم وضعهم القانوني الهش.
كادي، مهاجرة من كوت ديفوار، تدير صالونا بسيطا لتصفيف الشعر الإفريقي في أحد الأزقة الجانبية. تقول إنها تعيش في طنجة منذ ثلاث سنوات، واستطاعت بناء قاعدة زبائن تشمل مغربيات يفضلن أسلوبها السريع والدقيق في تسريحات الشعر وتركيب الأظافر.
ويتزايد حضور المهاجرين في حي المصلى منذ سنوات، خاصة من السنغال وساحل العاج والكاميرون. غالبيتهم يعملون في أنشطة غير مهيكلة كبيع الخضر، غسل السيارات، الحلاقة، أو في مطاعم ومقاهي دون عقود رسمية.
رغم غياب إحصائيات دقيقة، تشير تقديرات المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة إلى أن مدينة طنجة تأوي قرابة 3000 مهاجر غير نظامي، يتمركزون في أحياء مثل المصلى ومسنانة وبنديبان.
ويعمل معظم هؤلاء في ظروف غير مستقرة، دون حماية اجتماعية أو قانونية، ما يعرضهم للاستغلال أو الطرد. غير أن الواقع لم يمنع نشوء نوع من التفاهم الضمني بين السكان والمهاجرين، خاصة في الفضاءات المشتركة حيث يتعاون الطرفان في البيع والشراء، رغم بعض الحساسيات.
يرى عبد اللطيف، بائع خضر مجاور لبائعين أفارقة، أن العلاقة بينهم “عادية”. يقول إن التعايش أصبح واقعا، وأن الخلافات لا تختلف عما يحدث بين أي بائعين.
ومع تنامي عدد النساء المهاجرات اللواتي يقدمن خدمات التجميل، باتت محلاتهن تجذب المغربيات، خصوصا من الطبقات العاملة. تقول سكينة، وهي شابة مغربية، إنها تفضل الذهاب إلى صالون تملكه سيدة سنغالية بسبب تعاملها الجيد وأسعارها المناسبة.
هذا التحول يعكس دينامية اجتماعية جديدة، تتجاوز الصورة النمطية للمهاجرات كمجرد عاملات في المنازل، نحو أدوار أكثر استقلالية وحضورا في النسيج الاقتصادي المحلي.
ورغم بعض المواقف العنصرية، خصوصا في الفضاءات العامة كسيارات الأجرة أو المقاهي، يبقى الحي مثالا على التعايش تحت ضغط الحاجة، حيث تتوارى الجنسيات خلف السعي المشترك نحو لقمة العيش.
وفي غياب سياسات إدماج واضحة، يبدو أن حي المصلى يشكل مختبرا اجتماعيا للتفاعل بين الثقافات، داخل فضاء فرضت ملامحه معطيات الهجرة والاقتصاد غير المهيكل، وأعاد رسم حدود الحياة اليومية ف مدينة طنجة.

