في الديمقراطيات الحية، لا يخشى الناس من الاختلاف. بل إن الاختلاف هو الوقود الذي يحرك السياسة ويمنحها معناها الحقيقي. ما يخشاه المواطنون حقا هو لحظة انهيار الحدود الفاصلة بين المعارضة والعداوة، بين النقد والتشهير، بين السياسة باعتبارها إدارة للاختلاف والسياسة باعتبارها تصفية حسابات على الملأ.
المشكلة ليست أن يختلف سياسي مع خصمه. تلك هي القاعدة. المشكلة أن يصبح الخصم هو المشروع السياسي نفسه.
حين يقضي زعيم حزبي وقتا أطول في ملاحقة الأشخاص من تقديم الحلول، وحين تتحول المنصات الرقمية إلى مسرح دائم للسخرية والإيحاءات والاستهداف الشخصي، فإن السؤال لم يعد يتعلق بأخلاق فردية معزولة، بل بأزمة أعمق تصيب جزءا من النخبة السياسية التي فقدت ثقتها في قوة الفكرة فلجأت إلى ضجيج الشخصنة.
السياسي الذي يملك مشروعا يتحدث عن الاقتصاد. عن التعليم. عن الصحة. عن البطالة. عن الضرائب. عن العدالة الاجتماعية. أما السياسي الذي يفتقر إلى المشروع فيتحدث عن خصومه أكثر مما يتحدث عن الوطن.
وهنا تكمن المعضلة.
لقد أصبحت بعض الممارسات السياسية تشبه إلى حد بعيد المحتوى المثير للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي. نفس اللغة. نفس الأسلوب. نفس البحث المحموم عن التفاعل والانتشار. كأن بعض الفاعلين السياسيين قرروا التخلي عن دور رجل الدولة لصالح دور “صانع المحتوى” الذي يقيس نجاحه بعدد المشاهدات لا بعدد الأفكار.
لكن السياسة ليست منصة تيك توك.
الدول لا تبنى بالاستفزاز. والمؤسسات لا تقوى بالتهكم. والثقة العامة لا تستعاد عبر حملات التشهير.
الأخطر من ذلك أن هذا الانحدار لا يضرب صورة السياسي المعني وحده، بل يضرب فكرة السياسة نفسها. فالشاب الذي يشاهد قياديا حزبيا يختزل النقاش العمومي في السخرية والاتهامات لن يخرج بانطباع سيئ عن ذلك السياسي فقط، بل سيخرج بانطباع سيئ عن السياسة ككل.
وهنا تبدأ الخسارة الكبرى.
عندما يفقد المواطن احترامه للسياسي، يمكن إصلاح الأمر. أما عندما يفقد احترامه للعمل السياسي نفسه، فالأزمة تصبح أكثر عمقا وأكثر خطورة.
لقد شهد العالم خلال العقد الأخير صعود نماذج سياسية بنت شعبيتها على الاستفزاز الدائم. بعضها حقق مكاسب انتخابية سريعة، لكنها كانت في الغالب انتصارات قصيرة العمر. لأن الضجيج يستطيع جذب الانتباه، لكنه عاجز عن بناء الثقة. والثقة هي العملة الوحيدة التي لا تستطيع الشعبوية شراءها.
ما تحتاجه المجتمعات اليوم ليس سياسيين أكثر غضبا، بل سياسيين أكثر نضجا.
تحتاج إلى قادة يفهمون أن قوة الحجة أكبر من حدة الصوت. وأن احترام الخصم ليس تنازلا بل دليل ثقة بالنفس. وأن الرزانة ليست ضعفا كما يتوهم البعض، بل هي أعلى درجات القوة السياسية.
أما تحويل الخلافات إلى معارك شخصية مفتوحة، وإقحام العائلات والأفراد في صراعات لا علاقة لهم بها، فهو إعلان غير مباشر عن الإفلاس السياسي. فحين تعجز الأحزاب عن تسويق برامجها، تبدأ في تسويق خصوماتها. وحين تفشل في إقناع الناخبين بالمستقبل، تنشغل بإدارة معارك يومية مع الأشخاص.
التاريخ السياسي لا يتذكر أكثر السياسيين صراخا. بل يتذكر أولئك الذين امتلكوا القدرة على الارتفاع فوق الضجيج.
وفي نهاية المطاف، لا يسقط السياسي عندما يخسر انتخابات. ولا عندما يتراجع حزبه في استطلاع للرأي. السياسي يسقط فعلا عندما يفقد البوصلة الأخلاقية التي تمنحه شرعية مخاطبة الناس.
فالسياسة، قبل أن تكون صناديق اقتراع، هي امتحان يومي للأخلاق. ومن يخسر هذا الامتحان، لن تنقذه آلاف الخطب ولا ملايين المشاهدات.

