تتأهب المدن المغربية لاستقبال العرس القاري على أرض جاهزة بكل تفاصيلها. ومع اكتمال تأهيل ملعب ابن بطوطة الكبير في طنجة، تكون المملكة قد وضعت اللمسة الأخيرة على خارطة الملاعب التسعة التي ستحتضن نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025، المقررة من 21 دجنبر إلى 18 يناير المقبل.
وبعد سنوات من التحضيرات المكثفة، تدخل المملكة المغربية بذلك المرحلة النهائية من الاستعداد لتنظيم البطولة الأهم في القارة، وسط تعبئة مؤسساتية شاملة شملت تأهيل البنيات التحتية الرياضية، وتوسيع قدرات النقل، ورفع جاهزية المدن المستضيفة لاستقبال آلاف المشجعين من داخل القارة وخارجها.
وتُمثل هذه النسخة الرابعة والثلاثون من كأس أمم إفريقيا، الأولى التي تُقام في فصل الشتاء بالمغرب، تحديا لوجستيا وتنظيميا يعكس الطموح المغربي في التحول إلى مركز رياضي قارّي، كما تُجسّد عمليا موقع المملكة داخل الخارطة الكروية العالمية، قبل أربع سنوات فقط من استضافة مونديال 2030.
من طنجة إلى أكادير.. تسع محطات قارية
وفي هذا السياق، يبرز ملعب طنجة الكبير في الشمال كواجهة هندسية جديدة للمغرب الرياضي. سقف ضخم من نسيج مقاوم للعوامل المناخية يغطي مدرجات تستوعب نحو 75 ألف متفرج، وأرضية طبيعية مدعمة بالألياف الاصطناعية تضعه ضمن الجيل الأحدث من الملاعب الإفريقية.
وقد حولت عملية التأهيل التي استغرقت أشهراً طويلة هذا الملعب إلى منشأة مخصصة كليا لكرة القدم، بعدما أزيل مضمار ألعاب القوى وجرى تحديث منظومة الإضاءة والصوت والمراقبة الرقمية، فضلاً عن تجهيزات خاصة بالمنصة الشرفية وقاعات البث ومقصورات الصحافة.
وفي ليالي طنجة، تتبدل ألوان الواجهة بين الأحمر والأخضر والبنفسجي، لتعلن بذلك جاهزية المدينة الشمالية التي أنهت استعدادها قبل أسابيع من الموعد القاري.
وعلى مسافة تزيد قليلاً عن مئتي كيلومتر جنوبا، من طنجة إلى الرباط، تنتصب أربعة ملاعب بكامل تجهيزاتها داخل العاصمة ومحيطها، ما يجعلها المحور الأبرز في خارطة الاستضافة.
وفي مقدمة هذه الملاعب، يأتي ملعب الأمير مولاي عبد الله الذي سيستضيف مباراتي الافتتاح والنهائي، بعد إعادة تأهيل شاملة رفعت طاقته إلى نحو 69 ألف مقعد، وجهزته بنظام إنارة ومعايير مطابقة لدفاتر تحملات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. وإلى جانبه، تتوزع ملاعب المجمع الأولمبي، والأمير مولاي الحسن، وملعب البريد، لتجعل من الرباط أكبر تجمع للملاعب الجاهزة في مدينة واحدة، معززة بشبكة نقل وفنادق حديثة، وخطوط مباشرة نحو المطار ومحطة القطار السريع.
وفي نفس الخط الجغرافي تقريباً، وعلى بُعد أقل من مئة كيلومتر، تحتضن الدار البيضاء ملعب محمد الخامس الذي يحتفظ بمكانته الرمزية كأقدم المعالم الرياضية في المملكة، وقد خضع لأعمال صيانة وتجديد شملت المقصورات والمنصات الإعلامية وغرف الملابس ومداخل الجماهير. كما يمنحه موقعه وسط المدينة زخماً جماهيرياً استثنائياً، وهو مهيأ لاستضافة مباريات الأدوار المتقدمة، معزَّزاً بقاعدة مشجعين كبيرة ونسيج عمراني متصل.
ومع الاتجاه جنوبا أكثر، يتهيأ الملعب الكبير بمراكش بطاقة تفوق 41 ألف متفرج، وسط محيط سياحي معروف عالمياً. وقد شملت الأشغال التي أُنجزت فيه إعادة تهيئة الأرضية العشبية وتحسين المقاعد والمنشآت التقنية، ليواكب بذلك المعايير المعتمدة.
وتراهن المدينة الحمراء على جمهورها الحيوي وخدماتها الفندقية لاستقبال أجواء البطولة.
وفي الاتجاه نفسه، لكن على الساحل الأطلسي، يضيف ملعب أدرار في أكادير لمسة بحرية على البطولة، بتصميمه العصري وموقعه على مقربة من المحيط الأطلسي، وقد خضع لتحسينات شملت الولوجيات، الإنارة، وتعزيز أنظمة البث.
ويجمع هذا الملعب بين الرياضة والسياحة في تجربة واحدة، إذ ينتظر أن يشهد إقبالاً من المشجعين القادمين من أوروبا الغربية.
وفي المقابل، وفي قلب البلاد تحديداً، يطل ملعب فاس الكبير بعد عملية تهيئة كاملة شملت المدرجات وأنظمة البث والإضاءة، وتجهيز غرف الملابس والمرافق الصحية والمقصورات.
وقد أعاد هذا الملعب إلى الواجهة مدينة فاس التي تجمع بين الطابع العلمي والثقافي، لتدخل مجدداً إلى رزنامة الأحداث الرياضية الكبرى. وبالتالي، فإن توزيع المدن المضيفة بين طنجة شمالاً وأكادير جنوباً، مروراً بالرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس، يعكس رؤية ترابية متوازنة تُحوّل البطولة إلى جولة عبر جغرافيا البلاد.
أكثر من مئة مشروع مواز
غير أن المغرب لم يكتف بتأهيل الملاعب وحدها، بل أطلق أكثر من مئة مشروع موازٍ يشمل الطرق والمطارات والفنادق ومراكز البث والاتصال، استعداداً لاحتضان آلاف الجماهير والبعثات.
وفي هذا الإطار، تم اعتماد منظومة موحّدة للتذاكر الرقمية وتوزيع الجماهير، مع توفير مسالك خاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة، وتعزيز البنية التحتية المحيطة بالملاعب من حيث مواقف السيارات، محطات الترام والحافلات، وتأمين الخدمات الصحية والمواكبة الإعلامية.
وعلى مستوى الربط بين المدن المضيفة، شهدت شبكة الطرق السريعة توسعات وصيانة دقيقة، فيما جرى بالتوازي تعزيز القدرة الاستيعابية للمطارات الدولية في كل من طنجة والرباط والدار البيضاء ومراكش وأكادير وفاس، مع تخصيص ممرات سريعة للوفود الرسمية والبعثات الرياضية.
كما أن القطار السريع الذي يربط بين طنجة والدار البيضاء مرورا بالرباط يشكل عنصرا محوريا في تسهيل تنقل الجماهير بين الملاعب الشمالية والوسطى، في حين تم تعزيز أساطيل النقل الحضري في كافة المدن المضيفة.
وبالتوازي مع ذلك، شهد القطاع الفندقي حركة استثنائية، حيث افتتحت عشرات المنشآت الجديدة وأعيد تأهيل مئات أخرى لضمان استيعاب التدفق المتوقع للزوار.
وعلى الصعيد الإعلامي، جُهّزت مراكز الإعلام الرئيسية والفرعية بأحدث التقنيات، مع توفير منصات بث مباشر عالية الجودة وغرف مراقبة مركزية تضمن تغطية سلسة لكافة المباريات.
أما على صعيد الأمن والسلامة، فقد وضعت السلطات خططاً محكمة تشمل آلاف العناصر الأمنية الموزعة على الملاعب والمحاور الطرقية والمطارات ومراكز الإقامة، مع تنسيق وثيق بين الأجهزة المحلية والاتحاد الإفريقي لكرة القدم.
اختبار عام قبل المونديال
وهكذا، وقبل أسابيع من الصافرة الأولى، تبدو الصورة واضحة: ملاعب جاهزة، مدن متصلة، وتجربة تنظيمية تُقدَّم بوصفها اختبارا عاما قبل ثلاثيّ كأس العالم 2030.
ومع اكتمال آخر لمسة في طنجة، يُغلق المغرب بذلك دائرة التحضير لحدث قاري يريد أن يكون فيه الملعب مرآة لبلدٍ جعل من الرياضة ورشا تنمويا دائما، ومن كل مدينة محطة استقبال تليق بقارة بأكملها.
ذلك أن الرهان المغربي يتجاوز بوضوح حدود البطولة القارية، إذ تُعتبر كأس أمم إفريقيا 2025 بمثابة بروفة عامة أمام العالم قبل الاستحقاق الأكبر في 2030، حين ستحتضن المملكة مباريات كأس العالم بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال.
إذ أن كل ملعب، كل طريق سريع، كل محطة قطار، وكل مطار محدّث، يُضاف اليوم إلى رصيد بنية تحتية ستكون جاهزة لاستقبال الحدث الكروي الأكبر على وجه الأرض.
وفي هذا السياق الرياضي الواسع، تتحول المدن المغربية إلى ورشات ثقافية وفنية مفتوحة، حيث تُنظم فعاليات موازية تحتفي بالتنوع الإفريقي، من معارض فنية إلى حفلات موسيقية ومهرجانات تراثية تجمع بين الأصالة المغربية والتعددية القارية.
فالشوارع تكتسي بالأعلام، والساحات العامة تتحول إلى شاشات عملاقة، والمقاهي تعج بالنقاشات الكروية، في مشهد يختزل شغف شعب يعيش الكرة كطقس يومي ويستعد لاستقبال القارة بكرم الضيافة المعهود.

