وجدت الحكومة الإسبانية نفسها أمام عودة أكثر وضوحا للمطالبة المغربية بسبتة ومليلية إلى الخطاب الرسمي في الرباط، لكنها اختارت حتى الآن تفادي نقل هذا الخلاف إلى مستوى المواجهة الدبلوماسية، متمسكة بقناة اتصال يومية بين وزيري خارجية البلدين ناصر بوريطة وخوسيه مانويل ألباريس.
وكشفت وزارة الخارجية الإسبانية، الأربعاء، بحسب ما نقلته وكالة “أوروبا برس”، أن ألباريس يتحدث “يوميا” مع بوريطة، في أول إشارة علنية إلى كثافة الاتصالات بين الرباط ومدريد منذ توالي مواقف مغربية أعادت قضية المدينتين إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة.
وجاء كشف مدريد في توقيت لافت. فبدلا من استدعاء السفيرة المغربية كريمة بنيعيش أو إعلان احتجاج دبلوماسي بمستوى أعلى، اكتفت الخارجية الإسبانية بإعادة تأكيد موقف بلادها من المدينتين، بينما شددت في الوقت نفسه على أهمية الدبلوماسية ووصفت التواصل مع الرباط بأنه “سلس”، وفق المصادر نفسها.
ويعكس هذا المسار حساسية اللحظة بالنسبة إلى مدريد، إذ تواجه الحكومة الإسبانية من جهة عودة مطلب مغربي ظلت تحاول إبقاءه بعيدا عن صدارة العلاقات الثنائية، ومن جهة أخرى شبكة واسعة من المصالح مع الرباط تجعل العودة إلى أجواء القطيعة التي طبعت أزمة 2021 خيارا مكلفا.
وتعتبر الرباط سبتة ومليلية جزءا من التراب المغربي وتطالب باستعادتهما، في حين تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما. وظل الملف حاضرا في الخلفية التاريخية للعلاقات بين البلدين، لكنه نادرا ما احتل خلال السنوات الأخيرة موقعا متقدما في الخطاب الحكومي المغربي بالوضوح الذي ظهر به هذا الأسبوع، بحسب ما أوردته هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية “RTVE”.
والإشارة الأبرز جاءت من وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي قال إن سبتة ومليلية تمثلان “حقا تاريخيا وجغرافيا” للمغرب، وإن وضعهما ينبغي أن يبقى موضوعا للحوار مع إسبانيا، وفق تصريحات أدلى بها للقناة الثانية المغربية ونقلتها “RTVE”.
ولم يكتف وهبي بتكرار الموقف المغربي التقليدي، بل تحدث عن ضرورة إيجاد آلية للحوار تقود إلى “حل نهائي”، وعن عودة المدينتين إلى “حضن الوطن”، وهي عبارات أعادت المسألة من سجل المواقف التاريخية إلى دائرة النقاش السياسي حول مستقبل المدينتين.
وتلقت مدريد بعد أيام إشارة ثانية خلال احتفال رسمي بالمولد النبوي ترأسه الملك محمد السادس بالقصر الملكي في الرباط، عندما استحضر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق شخصيات دينية وتاريخية مرتبطة بمدينة سبتة، ضمن حديث عن الذاكرة المغربية ونضال المغاربة من أجل تحرير المدن المحتلة، وفق ما نقلته “أوروبا برس” عن وكالة المغرب العربي للأنباء.
ورغم أن الخطاب لم يقدم مبادرة سياسية بشأن سبتة ومليلية، فإن وروده خلال مناسبة رسمية رفيعة المستوى منحه ثقلا سياسيا في القراءة الإسبانية، خصوصا بعد تصريحات وهبي التي سبقته بأيام.
مدريد تضبط سقف الرد
أمام هذا التراكم، أعادت الخارجية الإسبانية القول إن سبتة ومليلية تخضعان للسيادة الإسبانية وإنهما تشكلان جزءا من الأراضي التابعة للاتحاد الأوروبي، مؤكدة أنها نقلت موقفها إلى المغرب عبر القنوات الدبلوماسية، بحسب “أوروبا برس”.
لكن مدريد حرصت في الوقت نفسه على إبراز شيء آخر، هو أن التواصل مع بوريطة لم يتوقف، بل يجري بصورة يومية، وفق المصدر نفسه.
وقالت مصادر في الخارجية الإسبانية لوكالة “أوروبا برس” إن ألباريس يتحدث مع نظيره المغربي كل يوم، ودافعت عن الدبلوماسية باعتبارها الطريق إلى “استجابة فعالة” أمام الخلاف الحالي.
ويكشف هذا الترتيب أن الحكومة الإسبانية تريد تثبيت موقفها بشأن المدينتين من دون منح الملف قوة دفع إضافية عبر أزمة مع الرباط.
فاستدعاء السفيرة المغربية، على سبيل المثال، كان سيعني نقل الخلاف من تصريحات سياسية إلى مواجهة رسمية بين الحكومتين، بينما يسمح الاتصال المباشر بين بوريطة وألباريس بإبقاء السجال تحت السيطرة وإدارته بعيدا عن إجراءات دبلوماسية تصعيدية.
ولا تنفصل هذه المقاربة عن التحول الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية منذ 2022.
فبعد أزمة دبلوماسية حادة في 2021، دشنت الرباط ومدريد مرحلة جديدة خلال زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى المغرب في أبريل 2022، واتفق الجانبان على إقامة علاقتهما على “التواصل الدائم” والشفافية والاحترام المتبادل، ضمن خارطة طريق شملت الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية والهجرة وحركة الأشخاص والبضائع، بحسب البيان المشترك وتصريحات سانشيز التي نشرتها رئاسة الحكومة الإسبانية.
ومنذ ذلك الحين، استثمر الطرفان في تحصين العلاقات من الصدمات السياسية، وتوسعت المبادلات التجارية والتنسيق الأمني والتعاون في الهجرة، فيما أصبح الاتصال المباشر بين الحكومتين إحدى أدوات منع الخلافات من التحول إلى أزمات طويلة.
اختبار لمرحلة ما بعد 2022
غير أن سبتة ومليلية تختلفان عن معظم القضايا التي اختبرت هذه الآلية منذ المصالحة.
فالأمر يتعلق بملف سيادة لم تتراجع الرباط عن مطالبها بشأنه، حتى عندما جرى تجميده عمليا لصالح ملفات أكثر إلحاحا في العلاقات الثنائية، وهو مطلب تشير “RTVE” إلى أن المغرب يتمسك به منذ استقلاله سنة 1956.
ولهذا تحمل تصريحات وهبي وإشارات التوفيق دلالة تتجاوز مضمون كل تصريح منفردا، لأنها أعادت القضية إلى المجال السياسي الرسمي في غضون أيام قليلة، بعدما ظلت مدريد تتعامل معها لسنوات باعتبارها ملفا لا تريد فتحه.
ويضع ذلك الحكومة الإسبانية أمام معادلة دقيقة. فهي تريد إظهار الحزم داخليا بشأن السيادة على المدينتين، خصوصا في ظل ضغط المعارضة الإسبانية، لكنها لا تريد في المقابل التضحية بالعلاقة مع المغرب أو منح الخلاف حجما يعيد البلدين إلى مرحلة الأزمة.
ويتضح هذا الحرج داخل الحكومة نفسها. فبينما اختارت الخارجية لغة دبلوماسية محسوبة، سبق لوزيرة الدفاع مارغريتا روبليس أن تبنت خطابا أكثر تشددا بشأن سبتة ومليلية وسط الجدل السياسي المتصاعد في إسبانيا، في وقت واصل فيه مسؤولون حكوميون آخرون وصف المغرب بالشريك “الموثوق” و”الوفي”. وكانت روبليس قد قالت خلال زيارة إلى سبتة إن المدينتين “إسبانيتان جدا” وإنهما “لا تمسان”، بحسب “أوروبا برس”.
أما الرباط فلم تعلن حتى الآن عن طلب رسمي لفتح مفاوضات ثنائية حول المدينتين، لكنها أعادت تثبيت أن الملف لم يسقط من أجندتها، وأن تحسين العلاقات مع مدريد منذ 2022 لا يعني التخلي عن المطالب التاريخية المرتبطة به.
وبذلك، تحمل المحادثات اليومية بين بوريطة وألباريس معنى يتجاوز التواصل الاعتيادي بين وزيرين للخارجية. فهي تكشف أن مدريد تتعامل مع عودة ملف سبتة ومليلية باعتباره مسألة تحتاج إلى إدارة مباشرة مع الرباط، بينما يختبر المغرب وإسبانيا للمرة الأولى تقريبا قدرة “العلاقة الجديدة” التي أعلناها قبل أربع سنوات على استيعاب أحد أكثر ملفات السيادة حساسية بينهما.

