لو عُدنا بالزمن إلى أروقة قصر مولاي حفيظ بمدينة طنجة في أواخر أبريل 1958، لكان المشهد يوحي بتضامن أسطوري لا تشوبه شائبة.
هناك، جلس قادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، يتقدمهم فرحات عباس وعبد الحفيظ بوصوف، يتلقون دعما سياسيا ولوجستيا غير مشروط من المغرب وتونس.
وكانت الدولتان المستقلتان حديثاً تضعان أراضيهما ومقدراتهما تحت تصرف الثورة الجزائرية، لدرجة المخاطرة بالتعرض لقصف فرنسي مباشر كما حدث في قرية “ساقية سيدي يوسف”.
في تلك اللحظة، تعهد قادة الجبهة أمام شركائهم في طنجة ببناء “مغرب كبير” موحد بمجرد طرد الاستعمار، وحل أي خلافات حدودية موروثة عن فرنسا عبر الحوار الأخوي. كانت الوعود سخية، والكلمات رنانة.
لكن شريط التاريخ، حين يُسرَّع وصولاً إلى عام 2026، يعرض نهاية سينمائية مغايرة تماماً: الدولة التي حظيت بأكبر قدر من التضامن الإقليمي في الخمسينيات، تحولت لاحقاً إلى المهندس الأول لتفكيك المنطقة.
إن قصة إجهاض حلم طنجة ليست مجرد نتيجة لخلافات سياسية عابرة، بل هي انعكاس لتحول جذري في طبيعة السلطة الحاكمة في الجزائر بعد الاستقلال عام 1962.
فبمجرد خروج المستعمر الفرنسي، لم تنتقل السلطة إلى السياسيين الحالمين بالوحدة، بل صودرت لصالح مؤسسة عسكرية جعلت من “صناعة العدو الخارجي” عقيدة أساسية لشرعنة وجودها وتبرير قبضتها على مقدرات البلاد.
تبخرت التزامات طنجة بسرعة قياسية. وبدلاً من تصحيح الحدود التي رسمها الاستعمار لخدمة مقاطعاته، تمسكت القيادة الجزائرية الجديدة بتركة فرنسا التوسعية. تحول الخطاب التحرري الموجه ضد باريس، إلى استراتيجية هيمنة إقليمية موجهة ضد الجيران الذين قدموا الدعم بالأمس.
تجلت هذه الاستراتيجية في أوضح صورها منتصف السبعينيات، عندما وظفت الجزائر عائداتها النفطية الضخمة لتمويل وتسليح جبهة انفصالية ضد المغرب في نزاع الصحراء. لم يكن الهدف الحقيقي دعم مبدأ تقرير المصير، بل كان استنزافاً استراتيجياً لجار غربي رأى فيه النظام العسكري تهديداً أيديولوجياً وتاريخياً.
ومع تأسيس “اتحاد المغرب العربي” عام 1989 كمحاولة يائسة لإنعاش روح طنجة، استمرت نفس العقلية في عرقلة أي اندماج حقيقي. وبحلول عام 1994، أُغلقت الحدود البرية بقرار جزائري أحادي، لتتحول مع مرور السنين إلى أطول حدود برية مغلقة في العالم، تلاها لاحقاً قطع أحادي للعلاقات الدبلوماسية وإغلاق المجال الجوي.
اليوم، تقف المؤسسات المغاربية مشلولة، وتدفع شعوب المنطقة فاتورة اقتصادية باهظة تُقدر بمليارات الدولارات سنوياً بسبب غياب الاندماج الإقليمي.
عندما تُقرأ مقررات مؤتمر طنجة اليوم، تبدو المفارقة صارخة: لقد نجحت التضحيات المشتركة في إخراج الاستعمار، لكنها فشلت في تفكيك عقيدة الهيمنة لدى نظام اختار أن يبني جدراناً من العداء والخنادق العسكرية، بدل أن يفي بوعود الوحدة التي قطعها أسلافه وهم يحتسون الشاي في ضيافة طنجة. لقد تحول “المغرب الكبير” من مشروع سياسي حتمي، إلى ضحية كبرى على مذبح البقاء في السلطة.

