الحدث بسيط في جوهره، لكنه يجد من ينفخ فيه كلما تعلق الامر بالمغرب. شرطي غادر موقعه، عبر الى سبتة المحتلة، وطلب اللجوء. فعل شخصي لا يرقى الى مستوى القضية، ولا يزعج المؤسسات التي اعتادت على الانضباط، ولا تهتز امام الانفلاتات الفردية.
الدولة لا تختبر بمن يغادرها، بل تقاس بما تبنيه يوميا من استقرار، وبتماسك اجهزتها مهما علت الضوضاء.
المؤسسة الامنية المغربية ليست في موقع الدفاع، لانها لم تفرط يوما في شرف المهنة، ولم تتراجع عن مسار الاصلاح والتحديث الذي وضعها في صدارة الاجهزة الافريقية من حيث الكفاءة والانضباط.
الاف من رجال ونساء الامن يشتغلون في صمت، يحمون المؤسسات والمواطنين، ويواجهون كل يوم تحديات الميدان دون ان يطلبوا امتيازا ولا تصفيقا.
وبالتالي فإن الشرطي الذي قرر ان ينهي مساره بهروب غير مشرف، لا يمثل الا نفسه. تاريخه المهني معروف، والقرارات التاديبية التي وجهت له لم تكن تعسفية، بل مؤسسة على القانون والمساطر المعمول بها. لا مظلومية هنا، ولا اضطهاد، بل مسار مهني انتهى الى مخرج خاطئ، وقراءة مغلوطة للوضع الشخصي.
بعض الاصوات، المعروفة بمواقفها العدائية تجاه المغرب، استغلت الواقعة لتقديمها كعلامة على تفكك داخلي او تصدع مؤسساتي. تحليلات سطحية، وقراءات مغرضة، لا تصمد امام ابسط معايير الفهم السياسي. لان ما وقع لا يتجاوز حالة فردية، لا يبنى عليها موقف، ولا تقاس بها مؤسسة.
الخطورة لا تكمن في الحادث ذاته، بل في اصرار بعض الجهات على تحويله الى عنوان سياسي. ماكينة الدعاية الاقليمية التي لا تنام، التقطت الواقعة كمن يلتقط حشرة في صحراء، ونفخت فيها كما لو انها انهيار. نفس الالة التي تزعجها نجاحات المغرب في محيطه، وتؤلمها صور الاستقرار حين تصدر من الرباط.
الدولة المغربية لا تنكر وجود تحديات، ولا تتهرب من الاعتراف بسؤال الهجرة في بعده الاجتماعي والاقتصادي.
فالواقع واضح، والجهود قائمة، والسياسات العمومية تبذل ما في وسعها لاحتواء الفوارق، وتوفير شروط الكرامة. الهجرة ليست عارا، بل علامة على الحاجة لمزيد من التنمية، وهذا ما تشتغل عليه الدولة، بمسؤولية وشجاعة.
ليس كل من غادر الوطن يستحق صفة اللاجئ، ولا كل من لبس الزي الرسمي كان وفيا له. لكن كل من ظل صامدا داخل موقعه، يؤدي واجبه تحت الشمس، يستحق ان ترفع له القبعة. الدولة لا تبنى بمن يفر، بل بمن يبقى ويصلح ويواصل.
المغرب اليوم يعرف نفسه جيدا. لا تهزه التفاصيل، ولا تربكه الروايات المعلبة. المؤسسة الامنية بخير، والدولة تواصل طريقها، والهجرة تواجه كاشكال انساني لا كوصمة. اما من اختار ان يحول سقطته الى منصة، فليقل ما شاء… لان السيادة لا تهزم بقصة، والمؤسسات لا تختزل في خروج فرد.


