تقارير دولية تربط قفزة الاقتصاد بـ 20 في المئة بـ 4 إصلاحات هيكلية تنهي جمود الأسواق وتدمج النساء والشباب.
وطن 24 من الرباط
أمام مفترق طرق حاسم، يقف الاقتصاد المغربي بين طموحات الاستقرار الكلي وواقع ديموغرافي يضغط بشدة على سوق العمل.
ففي قراءة تحليلية لآفاق المملكة، رسم البنك الدولي سيناريو متفائلا لكنه “مشروط”، يمنح الرباط فرصة ذهبية لإحداث نحو 1.7 مليون فرصة عمل إضافية بحلول عام 2035، ورفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 20 في المئة، شريطة الانخراط في “جراحة هيكلية” لاقتصادها.
وتستند هذه التقديرات، التي تضمنتها تقارير صدرت نهاية أبريل 2026 بتعاون مع الحكومة المغربية، إلى تشخيص دقيق لوضعية القطاع الخاص ومحركات النمو.
وتضع المؤسسة المالية الدولية معادلة واضحة: الاستقرار الماكرو-اقتصادي والبنية التحتية المتطورة لم يعودا كافيين وحدهما لاستيعاب جيوش الباحثين عن عمل، بل بات من الضروري تحويل هذا النمو إلى وظائف مستدامة.
الفجوة الديموغرافية ومأزق التنافسية
ويضع التقرير إصبعه على الجرح الديموغرافي؛ فبين عامي 2000 و2024، نما عدد السكان في سن الشغل بوتيرة أسرع بمرتين ونصف المرة من وتيرة خلق فرص الشغل. هذا الخلل الهيكلي أبقى أسواق العمل تحت ضغط مستمر، وجعل الشباب والنساء يدفعون الفاتورة الأكبر.
وما يثير الانتباه في التشخيص الدولي، هو أن مشاركة النساء المغربيات في النشاط الاقتصادي لا تزال تقبع في أدنى المستويات العالمية، في مفارقة صارخة مع التحسن الملحوظ في مستويات تعليمهن.
علاوة على ذلك، كشفت البيانات أن ربع القطاعات الصناعية في البلاد تعمل في “مناطق ظل” تغيب عنها الضغوط التنافسية الحقيقية، وهو ما يكبّل المقاولات ويحد من قدرتها على التوسع ورفع الإنتاجية، وبالتالي يحرم الاقتصاد من شرايين جديدة للتوظيف.
“وصفة” التحولات الأربعة
للخروج من هذه الدوامة، تقترح مجموعة البنك الدولي “وصفة” رباعية الأبعاد. يبدأ العلاج بتطوير أسواق أكثر تنافسية تكسر الاحتكار، مروراً بدعم نمو المقاولات الإنتاجية، ثم تحسين كفاءة وفعالية الاستثمارات الحكومية، وصولاً إلى تفكيك الحواجز الاجتماعية والمؤسساتية التي تقصي النساء والشباب.
ويرى خبراء البنك أن التطبيق المتكامل لهذه الرؤية لن يكتفي بخلق 1.7 مليون وظيفة بحلول 2035 فحسب، بل إن أثرها التراكمي قد يقفز بهذا الرقم إلى 2.5 مليون وظيفة إضافية بحلول منتصف القرن (2050)، في حال تحول الإصلاح إلى نهج مستدام.
ولم يكتفِ التقرير بالتشخيص الكلي، بل غاص في تفاصيل القطاع الخاص محدداً أربعة قطاعات تمتلك جاذبية استثنائية للاستثمار: إنتاج الكهرباء الشمسية اللامركزية، صناعة النسيج منخفض الكربون، مستحضرات التجميل المعتمدة على “الأركان”، وتربية الأحياء المائية البحرية.
هذه القطاعات وحدها قادرة على استقطاب استثمارات خاصة بقيمة 7.4 مليار دولار خلال العقد المقبل، وتوليد أكثر من 166 ألف فرصة عمل. غير أن المعضلة، وفقاً للبنك الدولي، لا تكمن في شح الفرص، بل في غابة البيروقراطية. فالمستثمرون يصطدمون بتعقيد التراخيص، وصعوبة الولوج إلى العقار والطاقة النظيفة، فضلاً عن نقص الكفاءات المتخصصة.
هنا، تبرز الدعوة الملحة إلى “رقمنة” المساطر الإدارية، وتوضيح القواعد التنظيمية لمساعدة الشركات المغربية على حجز مقاعدها في سلاسل الإمداد العالمية.
رهان القطاع الخاص
في هذا السياق، ينقل التقرير عن أحمدو مصطفى نداي، المسؤول بالبنك الدولي عن منطقة المغرب العربي ومالطا، تأكيده أن “المملكة تمتلك قاعدة اقتصادية صلبة تمكنها من إحداث ملايين الوظائف، شريطة مواصلة تفكيك العراقيل الهيكلية”. وهو طموح يتقاطع مع رؤية شيك عمر سيلا، المدير الإقليمي لمؤسسة التمويل الدولية، الذي يرى أن استغلال المؤهلات القطاعية للمغرب يمر حتماً عبر تذليل العقبات أمام المستثمرين.
في المحصلة، لا يوزع البنك الدولي في تقاريره وعوداً مجانية، بل يقدم “سيناريو اقتصادياً مشروطاً”.
فالأرقام المغرية والملايين من فرص العمل ستبقى مجرد حبر على ورق، ما لم تنجح الرباط في نقل الإصلاحات من رفوف النظريات إلى أرض الواقع، وتغيير محرك النمو ليصبح القطاع الخاص هو قائد القاطرة، وليس ضيفاً عليها.

