الرباط – وطن 24
كشفت إحصاءات رسمية مغربية جديدة عن استمرار اختلالات اجتماعية واقتصادية عميقة تؤثر في أوضاع النساء، بعدما أظهرت أن ثلث الشابات خارج منظومة التعليم والتشغيل والتكوين، وأن البطالة تطال أكثر من ثلث الحاصلات على شهادات التعليم العالي، في وقت لا تتوفر فيه سوى 15 امرأة من كل 100 امرأة في سن العمل على وظيفة.
وتضع هذه المعطيات المغرب أمام مفارقة تنموية لافتة، إذ حققت الأجيال الجديدة من النساء تقدما واضحا في التعليم، دون أن ينعكس ذلك بالقدر نفسه على حضورهن في سوق العمل أو فرص استقلالهن الاقتصادي، بينما تستمر الفوارق المرتبطة بالنوع الاجتماعي والوسط الجغرافي في التأثير على مساراتهن المهنية والاجتماعية.
وأوردت المندوبية السامية للتخطيط، المؤسسة الرسمية المكلفة بإنتاج الإحصاءات في المغرب، هذه المؤشرات ضمن إصدارها الجديد “المرأة المغربية في أرقام 2026″، الذي يقدم صورة عن أوضاع النساء في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 37 مليون نسمة، استنادا إلى بيانات تتعلق بالتعليم والعمل والأسرة والصحة والعنف والمشاركة السياسية.
وتظهر أحدث بيانات سوق العمل التي تضمنها الإصدار، وتعود إلى سنة 2025، أن معدل تشغيل النساء لم يتجاوز 15,1 بالمئة، مقابل 61,1 بالمئة لدى الرجال، بفارق يبلغ 46 نقطة مئوية، وهو ما يعكس محدودية حضور النساء في النشاط الاقتصادي رغم التوسع الذي شهده التعليم خلال العقود الماضية.
ويبدو هذا التفاوت أكثر وضوحا عند مقارنة مستويات التأهيل بفرص العمل، إذ وصلت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة إلى 97,1 بالمئة بين الشابات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و24 سنة، مقابل 98,4 بالمئة لدى الذكور، في مؤشر على تضاؤل الفجوة التعليمية بين الجنسين لدى الأجيال الجديدة.
غير أن تقارب المؤشرات التعليمية لا يقابله تقارب مماثل في فرص التشغيل، وهو ما تعكسه البطالة المرتفعة بين خريجات الجامعات والمعاهد العليا، إلى جانب اتساع شريحة الشابات اللواتي لا يتابعن الدراسة ولا يحصلن على تكوين مهني ولا يمارسن عملا.
شهادات جامعية دون فرص عمل
وتكشف البيانات عن صعوبات خاصة تواجهها المغربيات الحاصلات على مؤهلات عليا، إذ يبلغ معدل البطالة في صفوفهن 34 بالمئة، مقابل 19,7 بالمئة لدى الرجال الحاصلين على شهادات من المستوى نفسه.
ويعني ذلك أن نحو واحدة من كل 3 نساء جامعيات نشيطات في سوق العمل توجد في وضعية بطالة، وهو معدل يتجاوز بصورة كبيرة المتوسط الوطني للبطالة النسائية البالغ 20,5 بالمئة.
ويزداد الوضع حدة بين الشابات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و34 سنة، حيث تصل البطالة إلى 37,5 بالمئة، مقابل 21,2 بالمئة لدى الشباب الذكور من الفئة العمرية نفسها.
ولا تقتصر الفجوة على الباحثات عن عمل، إذ تظهر معطيات المندوبية أن معدل النشاط الاقتصادي لدى النساء البالغات 15 سنة فأكثر لا يتجاوز 19 بالمئة، ما يعني أن أكثر من 80 بالمئة منهن يوجدن خارج سوق العمل، سواء من حيث ممارسة نشاط مهني أو البحث عن وظيفة.
ويمثل هذا المؤشر جانبا من حجم الموارد البشرية النسائية التي لا تشارك في النشاط الاقتصادي، بينما تختلف وضعية النساء غير النشيطات عن العاطلات عن العمل، اللواتي يشترط احتسابهن ضمن البطالة أن يكن منخرطات في سوق العمل ويبحثن عن وظيفة.
وتكشف الأرقام كذلك أن 33 بالمئة من الشابات بين 15 و24 سنة يوجدن خارج التعليم والتشغيل والتكوين، مقابل 13,7 بالمئة لدى الشباب الذكور.
ويعكس هذا الفارق اتساع شريحة الشابات اللواتي لا يستفدن من فرص التأهيل أو اكتساب الخبرة المهنية، بما يزيد صعوبة انتقالهن إلى سوق العمل، ويطرح تساؤلات بشأن قدرة برامج التشغيل والتكوين على استيعابهن.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد المغربي الذي يسعى إلى توسيع قاعدته الإنتاجية، وتنمية الصناعات والخدمات واستقطاب الاستثمارات، في وقت تكشف فيه البيانات الرسمية عن فجوة بين مستوى تأهيل النساء وحجم مشاركتهن في إنتاج الثروة.
الفوارق المجالية تبدأ من المدرسة
ولا تتوزع فرص التعليم والعمل بالتساوي بين المدن والمناطق القروية، إذ تظهر البيانات استمرار تفاوتات تؤثر على المسارات الدراسية والمهنية للنساء منذ مراحل مبكرة.
ففي الفئة العمرية بين 15 و17 سنة، تشير معطيات الموسم الدراسي 2024-2025 إلى بلوغ معدل تمدرس الفتيات 100 بالمئة في الوسط الحضري، مقابل 62 بالمئة في الوسط القروي، ما يعكس استمرار الفجوة في متابعة الدراسة خلال المرحلة التي تسبق التعليم العالي.
وتظهر هذه الأرقام أن التقدم المسجل في الإلمام بالقراءة والكتابة لا يلغي التفاوتات المرتبطة بالاستمرار في الدراسة، خصوصا في المناطق القروية التي تواجه فيها الفتيات تحديات مختلفة في الولوج إلى المؤسسات التعليمية ومواصلة مسارهن الدراسي.
وفي سوق العمل، لا تتجاوز نسبة تشغيل النساء 14,4 بالمئة في المدن، مقابل 57,5 بالمئة لدى الرجال، بينما تبلغ في القرى 16,8 بالمئة لدى النساء و68,1 بالمئة لدى الرجال.
ويشير تقارب معدلات تشغيل النساء بين الوسطين إلى أن محدودية الاندماج المهني ظاهرة تشمل المجالين الحضري والقروي، وإن كانت طبيعة الأنشطة الاقتصادية وفرص العمل تختلف بينهما.
أما بالنسبة إلى الحاصلات على شهادات التعليم العالي، فلا يتجاوز معدل التشغيل 29,9 بالمئة لدى النساء، مقابل 55,4 بالمئة لدى الرجال، وهو فارق يظهر استمرار التفاوت حتى بعد الوصول إلى مستويات متقدمة من التعليم.
وتتجاوز آثار التفاوتات المجالية قطاعي التعليم والتشغيل إلى المؤشرات الصحية والاجتماعية، حيث تسجل المناطق القروية معدلات أعلى للإنجاب المبكر والمخاطر المرتبطة بالأمومة.
فقد بلغ معدل الخصوبة لدى المراهقات بين 15 و19 سنة، خلال 2025، نحو 28,8 ولادة لكل ألف فتاة في الوسط القروي، مقابل 7,6 ولادات في المدن.
كما تظهر بيانات صحية تعود إلى سنة 2018 أن معدل وفيات الأمهات بلغ 111,1 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية في المناطق القروية، مقابل 44,6 وفاة في المدن.
وتعكس المقارنة بين هذه المؤشرات اتساع الفوارق الجغرافية في أوضاع النساء، من فرص متابعة الدراسة إلى الاندماج المهني والظروف الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.
أعباء منزلية وعنف داخل الأسرة
وفي جانب آخر من التقرير، تكشف بيانات استعمال الوقت عن تفاوت كبير في توزيع العمل المهني والمنزلي بين النساء والرجال، بما يبرز أحد الأبعاد الاجتماعية المرتبطة بمحدودية المشاركة الاقتصادية النسائية.
فوفق معطيات البحث الوطني لاستعمال الوقت لسنة 2012، يمثل العمل المنزلي 79 بالمئة من الوقت الذي تخصصه النساء للعمل الإنتاجي، مقابل 21 بالمئة للعمل المهني.
وعلى النقيض من ذلك، يخصص الرجال 88 بالمئة من وقت العمل الإنتاجي للنشاط المهني، مقابل 12 بالمئة للعمل المنزلي.
وتظهر هذه المعطيات اختلافا واسعا في توزيع المسؤوليات داخل الأسر، إذ تتحمل النساء حصة أكبر من الأعمال المنزلية والرعاية غير المؤدى عنها، بينما يستحوذ العمل المهني على الحصة الأكبر من نشاط الرجال.
وتساعد هذه المؤشرات على فهم أحد العوامل المرتبطة بالفجوة الاقتصادية بين الجنسين، خصوصا بالنسبة إلى النساء اللواتي يواجهن صعوبة في التوفيق بين المسؤوليات الأسرية ومتطلبات العمل خارج المنزل.
ولا تقتصر التحديات الاجتماعية على توزيع الأعباء، إذ تكشف بيانات البحث الوطني حول العنف ضد النساء لسنة 2019 أن 56,5 بالمئة من النساء تعرضن لأحد أشكال العنف في مختلف مجالات العيش.
وبلغ معدل انتشار العنف داخل المجال الأسري أو الزوجي 52,1 بالمئة، مقابل 15,4 بالمئة في فضاء العمل، وفق المؤشرات الخاصة بالنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و64 سنة.
ورغم أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة الوضع الحالي، نظرا إلى مرور 7 سنوات على البحث الذي استندت إليه، فإن إدراجها ضمن الإصدار الجديد يبرز أهمية العنف باعتباره أحد المؤشرات التي تدخل في تقييم الوضع الاجتماعي للنساء.
وعلى مستوى الأسرة، أظهرت بيانات سنة 2024 أن متوسط سن الزواج الأول لدى النساء بلغ 24,6 سنة، مقابل 32,4 سنة لدى الرجال، في حين بلغت نسبة النساء اللواتي تزوجن قبل سن 18 سنة، ضمن الفئة العمرية من 20 إلى 24 سنة، نحو 8,4 بالمئة.
ويعكس هذا المؤشر استمرار الزواج المبكر رغم اعتماد المغرب سن 18 سنة حدا قانونيا للزواج، مع استمرار العمل باستثناءات قضائية يسمح بها التشريع الأسري.
حضور سياسي محدود رغم المكاسب
وفي المجال السياسي، تكشف المؤشرات التي جمعتها المندوبية السامية للتخطيط تفاوتا في تمثيل النساء داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار.
فبحسب البيانات المرجعية لسنة 2024، بلغت نسبة المقاعد الحكومية التي تشغلها النساء 22,6 بالمئة، مقابل 24,3 بالمئة في البرلمان.
وترتفع هذه النسبة إلى 39,8 بالمئة في المجالس الجهوية، مقابل 29,8 بالمئة في المجالس الجماعية، وفقا لنتائج الانتخابات المحلية والجهوية لسنة 2021.
وتشير هذه الفوارق إلى أن تقدم التمثيل النسائي في المؤسسات المنتخبة لم يؤد إلى حضور متكافئ في جميع مستويات المسؤولية السياسية.
وفي مفارقة أخرى، أظهرت بيانات الفقر النقدي لسنة 2022 أن نسبة الفقر بين الأسر التي ترأسها نساء بلغت 2,5 بالمئة، مقابل 4,1 بالمئة لدى الأسر التي يرأسها رجال.
كما سجلت الأسر التي ترأسها نساء معدل هشاشة بلغ 11,1 بالمئة، مقابل 13,3 بالمئة لدى الأسر التي يرأسها رجال.
غير أن هذه المؤشرات تتعلق بالأسر بحسب جنس رب الأسرة، ولا تعكس بصورة مباشرة الوضع الاقتصادي لجميع النساء، أو حجم الفوارق في الدخل الفردي والاستقلال المالي بين الجنسين.
وتكشف مجمل المعطيات التي جمعها الإصدار الرسمي أن التقدم الذي أحرزه المغرب في تعليم النساء وتحسين بعض مؤشراتهن الاجتماعية لم يرافقه تحول مماثل في موقعهن داخل الاقتصاد، حيث تظل المشاركة في سوق العمل محدودة، وتتسع البطالة بين الشابات وخريجات التعليم العالي.
كما تظهر البيانات أن الفوارق بين النساء والرجال تتداخل مع تفاوتات أخرى بين المدن والقرى، وبين مستويات التأهيل والفئات العمرية، ما يجعل أوضاع النساء مرتبطة بجملة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية.
ويجمع إصدار “المرأة المغربية في أرقام 2026” مؤشرات تعود إلى سنوات مرجعية متفاوتة، تمتد في بعض المجالات إلى 2012 و2018 و2019، بينما تستند أحدث بيانات التعليم والعمل والديموغرافيا إلى سنة 2025، وهو ما يقتضي التمييز بين الاتجاهات الراهنة والمعطيات التاريخية عند تقييم تطور أوضاع النساء.
وتبقى النتيجة الأبرز التي تقدمها أحدث هذه الإحصاءات أن المغرب، رغم اقتراب الفتيات من تحقيق المساواة مع الذكور في الإلمام بالقراءة والكتابة، لا يزال يواجه فجوة واسعة في تحويل هذا التقدم التعليمي إلى فرص عمل، بعدما أظهرت بيانات 2025 أن نحو 85 بالمئة من النساء في سن العمل لا يتوفرن على وظيفة، وأن ثلث الشابات خارج مسارات التعليم والتكوين والتشغيل.

