يسعى المغرب إلى توسيع منافذه الطاقية نحو أوروبا عبر مشروع لربطه كهربائيا بفرنسا، دخل خلال يوليوز الجاري مرحلة البحث عن حلول تقنية وتجارية قابلة للتنفيذ، في خطوة تعزز طموح المملكة للتحول من بلد يعتمد بكثافة على واردات الطاقة إلى منصة لإنتاج الكهرباء النظيفة وتصديرها.
وكانت فرنسا والمغرب قد دعوا في 16 يوليوز إلى إبداء الاهتمام بمشروع ربط كهربائي مباشر بين البلدين، بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عقب اجتماع فرنسي مغربي رفيع المستوى في الرباط.
وقال لوكورنو إن المشروع يندرج ضمن “مشاريع اقتصادية طموحة” ترمي إلى خلق تكامل أكبر بين شركات البلدين وإدماجهما في سلاسل قيمة مشتركة، فيما أفادت وثيقة إحاطة فرنسية اطلعت عليها وكالة رويترز بأن الهدف هو تحديد وسائل قابلة للاستمرار تجاريا لتصدير الكهرباء المتجددة المنتجة في المغرب إلى فرنسا.
وبعد أربعة أيام، نشرت وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية رسميا طلب إبداء الاهتمام المتعلق بدراسة فرص وجدوى “وصلة كهربائية مخصصة لتصدير الكهرباء المتجددة من المملكة المغربية إلى الجمهورية الفرنسية”، موضحة أن البلدين يريدان تحديد حاملي مشاريع قادرين على اقتراح حلول مبتكرة وقابلة للتطبيق.
ولا يعني ذلك أن الكابل دخل مرحلة الإنجاز، إذ لا تزال طبيعة الربط ومساره وقدرته وكلفته ونموذج تمويله رهينة نتائج الدراسات والمقترحات التي ستقدمها الشركات والفاعلون المهتمون.
لكن المشروع يضيف بعدا جديدا إلى الشراكة الطاقية التي وقعها المغرب وفرنسا في أكتوبر 2024، خلال زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط، والتي تشمل التعاون في الطاقة والربط الكهربائي والانتقال نحو مصادر أقل انبعاثا للكربون.
وبالنسبة إلى المغرب، يتجاوز الرهان إنشاء خط جديد لتبادل الكهرباء، إذ ينسجم المشروع مع استراتيجية بدأت المملكة تنفيذها منذ 2009 بهدف تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري المستورد ورفع مساهمة الشمس والرياح والمياه في إنتاج الكهرباء.
وتحدد الاستراتيجية المغربية هدفا يتجاوز 52 في المئة للطاقة المتجددة ضمن القدرة الكهربائية المنشأة بحلول 2030، بحسب وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بعدما وسعت المملكة خلال السنوات الماضية استثماراتها في المحطات الشمسية والريحية والبنية التحتية للشبكة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية بدورها إلى أن تطوير الكهرباء المتجددة يمثل إحدى الأدوات الرئيسية للمغرب لتقليص تبعيته للوقود الأحفوري المستورد، الذي كان يمثل أكثر من 80 في المئة من مزيج إنتاج الكهرباء سنة 2020.
وتكمن خصوصية المشروع الفرنسي في أنه لا يطرح المغرب فقط كسوق لاستثمارات الطاقة الأوروبية، بل كمصدر محتمل للكهرباء إلى إحدى أكبر شبكات القارة.
ويكتسب ذلك دلالة إضافية بالنظر إلى أن فرنسا نفسها سجلت خلال النصف الأول من 2026 فائضا قياسيا في صادرات الكهرباء بلغ 51 تيراواط ساعة، وفق المديرية العامة للخزانة الفرنسية، ما يعني أن المشروع لا يستجيب لحاجة آنية فرنسية إلى الكهرباء بقدر ما يندرج في بناء شبكة أوسع وأكثر مرونة لتبادل الطاقة النظيفة على المدى الطويل.
وفي موازاة المسار الفرنسي، أعاد المغرب والبرتغال في 20 يوليوز إحياء مشروع آخر للربط الكهربائي بين ضفتي المتوسط، واتفقا على السعي إلى الحصول على دعم من المفوضية الأوروبية واستقطاب مستثمرين من القطاع الخاص.
وقالت وزيرة الطاقة البرتغالية ماريا دا غراسا كارفالو عقب لقائها نظيرتها المغربية ليلى بنعلي إن الربط الجديد بين أوروبا وإفريقيا من شأنه تعزيز أمن الطاقة والتعاون بين القارتين، بينما شددت بنعلي على ضرورة خفض كلفة الولوج إلى الطاقة بالنسبة إلى السكان والقطاعات الاقتصادية.
ولا يزال الطرفان يدرسان ما إذا كان الربط البرتغالي سيمر عبر كابل بحري مباشر أو سيستفيد من البنية التحتية القائمة عبر إسبانيا، التي ترتبط أصلا كهربائيا بالمغرب عبر مضيق جبل طارق.
وبذلك، ترسم مشاريع الربط مع فرنسا والبرتغال، إلى جانب الوصلة القائمة مع إسبانيا، ملامح شبكة تتجاوز وظيفة تزويد السوق المغربية بالكهرباء، وتضع المملكة تدريجيا عند تقاطع مسارات الطاقة بين شمال إفريقيا والاتحاد الأوروبي.
ويستفيد المغرب في هذا المسار من قربه الجغرافي من أوروبا ومن موارد شمسية وريحية كبيرة، لكنه يعتمد أيضا على إطار قانوني يسمح بإنتاج الكهرباء المتجددة وبيعها وتصديرها من جانب الفاعلين العموميين والخواص، وهي خيارات أدرجتها المملكة منذ سنوات ضمن إصلاح سوق الطاقة.
وبينما تبقى مشاريع الربط الجديدة في مراحل الدراسة، فإن تزامن المسارين الفرنسي والبرتغالي خلال أسبوع واحد يعكس اتساع الاهتمام الأوروبي بالبنية الطاقية المغربية، ويمنح الرباط ورقة إضافية في أجندتها الرامية إلى جعل موقعها بين إفريقيا وأوروبا قيمة اقتصادية لا جغرافية فحسب.

