في مطعم بمدينة إيرون المحاذية للحدود الفرنسية، يتحرك أسامة اليوم بثقة شخص خبير بتفاصيل المكان. فلم يعد هذا الشاب مجرد عامل بسيط، بل أصبح يحظى بهامش واسع من المسؤولية بعدما عهد إليه صاحب المطعم بمهام تنظيم العمل ومتابعة الخدمة.
ويتناقض هذا المشهد جذريا مع نقطة البداية قبل ثماني سنوات. فقد وصل أسامة إلى إسبانيا سنة 2018 وهو في السادسة عشرة من عمره، قبل أن يتوجه إلى مركز اجتماعي في سان سيباستيان، حيث تلقى تكوينا في الفندقة والمطعمة قاده تدريجيا إلى سوق الشغل.
ولا يقدم مسار هذا الشاب الهجرة غير النظامية كطريق مختصر للعمل، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات جوهرية حول الخطاب الرسمي في مدريد؛ فإسبانيا التي تشتكي عند الحدود من ضغط أعداد القاصرين غير المصحوبين واكتظاظ مراكز الاستقبال، تنفق أموالا طائلة على تعليمهم وتكوينهم بمجرد دخولهم منظومة الحماية، ليجدوا طريقهم لاحقا نحو قطاعات تشكو أصلا من نقص في اليد العاملة.
وتبدأ هذه المفارقة من اللحظة التي يتغير فيها الموقع القانوني للقاصر داخل النظام الإسباني، إذ تتراجع لغة الأرقام والطاقة الاستيعابية، فيما تتقدم لغة الإدماج والتمويل.
بعد الحدود تتغير الصفة
ففي يونيو 2026، وضعت الحكومة الإسبانية معيارا يسمح بإعلان “وضع استثنائي” في المناطق التي تتجاوز فيها أعداد القاصرين غير المصحوبين ثلاثة أمثال قدرتها العادية على الاستقبال، وهو ضغط واجهته تحديدا جزر الكناري وسبتة ومليلية المحتلتين.
وخلال 2025، حولت الدولة نحو 230 مليون يورو للأقاليم للمساهمة في رعاية هذه الفئة، قبل أن تضخ 35 مليون يورو إضافية في يوليوز 2026 لمساعدة المناطق التي تتحمل العبء الأكبر.
غير أن توجيه هذه الميزانيات لا يقتصر على الإيواء والطعام، بل يشمل أيضا التعليم والتأهيل المهني، ضمن مسار انتقالي لإعداد مستقبل هؤلاء الشباب داخل إسبانيا، ومدعوما بإصلاح قانون الأجانب سنة 2021 الذي فتح للقاصرين ابتداء من 16 عاما طريقا أوضح نحو العمل، وسهل استمرار إقامتهم.
وتعكس الإحصائيات الرسمية بدورها سرعة هذا الإدماج. ففي مارس 2026، بلغ عدد القاصرين والشباب الخارجين من الوصاية، بين 16 و23 عاما، الحاملين لإقامة سارية 21 ألفا و104 أشخاص. وشكل المغاربة نحو 48 في المائة من هذا المجموع، أي 10 آلاف و216 شخصا.
كما سجل 56 في المائة من أفراد هذه الفئة حضورهم في سوق الشغل، فيما ترتفع النسبة إلى نحو الثلثين بين الشباب الذين تجاوزوا 18 عاما. وتمثل العقود الدائمة بدوام كامل 41 في المائة من إجمالي عقودهم، بينما يستحوذ قطاع الضيافة والمطاعم على 28 في المائة من العاملين، يليه قطاعا البناء والخدمات الإدارية. أما قرابة نصف القاصرين دون 18 عاما، فيتركز عملهم في قطاع الضيافة تحديدا.
وفي إقليم الباسك، سجل التقرير السنوي لمنتدى الهجرة واللجوء التابع للحكومة المحلية لسنة 2025 حضورا متزايدا للعمال من أصل أجنبي في قطاع الضيافة، بالتوازي مع إعداد تكوينات لغوية موجهة للعاملين فيه.
كما أشار التقرير إلى ارتفاع الطلب على العمال في قطاعات بينها الضيافة والبناء والرعاية، وأدرج المغرب ضمن البلدان ذات الأولوية في سياسات التوظيف من الخارج.
حين تلتقي الحماية بالسوق
ولا يقف الأمر عند التكوين العام، بل يصل إلى مستويات التنسيق المباشر لسد خصاص الشركات. ففي 2024، اجتمعت حكومة جزر الكناري بأرباب العمل في “إل هييرو” لتحديد الوظائف الشاغرة، قبل أن تطلق برامج تكوين للقاصرين المهاجرين في مراكز الرعاية تلائم احتياجات السوق المحلي، وتشمل قطاعات الضيافة والبناء والزراعة والمهن الاجتماعية والصحية.
وفي 2025، أطلقت حكومة الأرخبيل برنامجا لتكوين أكثر من 900 قاصر. كما ساعد برنامج “Urdimbre” مئات الشباب على ولوج الوظائف، حيث وظفت مجموعة “RIU” الفندقية وحدها العشرات منهم. ولاحقا، أعلنت السلطات المحلية تمكن أكثر من 650 شابا من العمل عبر البرنامج، بالتعاون مع اتحادات مهنية.
ووصف مدير الموارد البشرية في مجموعة “RIU” تجربة تشغيل الشباب الخارجين من الوصاية بأنها “نجاح كامل”، مشيرا إلى أنهم يلجون المؤسسة بعقود عمل منذ البداية مع إمكانية التدرج المهني داخل القطاع.
كما وظفت مجموعة “Barceló” عشرات الشباب ضمن برامج مماثلة، وربط مسؤولوها بين إدماجهم المهني وحاجات القطاع السياحي إلى موظفين مؤهلين.
وفي يناير 2026، قال نائب وزير الرعاية الاجتماعية في حكومة الكناري فرانسيسكو كانديل إن برنامج “Urdimbre” يجمع بين تمكين الشباب الخارجين من الوصاية من دخول سوق الشغل والاستجابة لحاجات قطاعات اقتصادية تبحث عن يد عاملة ولا تجدها.
ثم اتسع هذا المنطق إلى المستوى المركزي في أبريل 2026، عندما خصصت وزارة العمل 25 مليون يورو لبرنامج يجمع بين التكوين والخبرة المهنية وعقود العمل بالتناوب، مستهدفا ألف شاب أجنبي تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاما.
وفي مارس 2026، قالت وزيرة الإدماج والهجرة إلما سايث إن تمكين المهاجرين من العمل بصورة قانونية يساعد على اندماجهم ويقلص الاقتصاد غير الرسمي ويدعم سوق الشغل.
وفي تقرير أعده المجلس الاقتصادي والاجتماعي بطلب من الحكومة، قدرت حاجة إسبانيا إلى إدخال نحو 2.4 مليون شخص إضافي إلى سوق العمل خلال عشر سنوات للحفاظ على مستوى إنتاجها، في ظل تراجع عدد السكان الإسبان في سن العمل.
تناقض أم سياسة مرحلتين
وفي تفسيره لهذه السياسة، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة عبد المالك السعدي، عبد الله أبو عوض، أن فهمها يقتضي الفصل بين “التدفق” و”الفرد”.
ويشير الدكتور أبو عوض إلى أن وصول أعداد كبيرة إلى مناطق مثل سبتة أو الكناري يحول الملف إلى مشكلة “قدرة مؤسساتية وأمنية ولوجستية” للحكومة، غير أن السؤال يتغير بعد دخول القاصر ليصبح: “ماذا نفعل بهذا الشاب الموجود لدينا؟”.
وفي الوقت نفسه، يحذر الأكاديمي من احتمال تحول الأمر إلى “إدماج وظيفي” يركز على إعداد الشباب للوظائف التي تحتاجها السوق بدل منحهم خيارات تعليمية أوسع.
كما يرى أن مدريد تطبق “سياسة انتقائية مزدوجة” تقوم على ضبط الوصول من جهة، ومحاولة تعظيم النتائج الاقتصادية والاجتماعية لمن أصبحوا جزءا من المجتمع الإسباني من جهة أخرى.
وتؤكد الحكومة الإسبانية، من جانبها، أن التعامل مع القاصرين غير المصحوبين يخضع لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وأن أوضاعهم تدرس بصورة فردية داخل منظومة الحماية.
ورغم التزام الدولة القانوني بحماية الطفل الموجود فوق أراضيها، يظل التناقض الأبرز كامنا في الخطاب السياسي المحيط بالمهاجر نفسه؛ إذ يتم تأطيره ضمن أرقام التدفق والضغط عند الحدود، ثم يصبح بعد دخوله منظومة الحماية موضوعا لسياسات التكوين والإدماج المهني، في وقت تبحث فيه قطاعات عدة عن عمال.
وبين الفتى الذي ولج مركزا اجتماعيا في سان سيباستيان، والشاب الذي يعهد إليه صاحب مطعم في إيرون اليوم بجزء واسع من مسؤوليات العمل، تبرز مساحة تكشف التباس السياسة الإسبانية؛ فمدريد تضيق بوصول القاصر، لكنها تعمل لاحقا على تحويل وجوده من كلفة على منظومة الحماية إلى اندماج داخل دورتها الاقتصادية.

