قبل يوم واحد من انطلاق الحملة الانتخابية، تستعد الأحزاب المغربية لجولة جديدة من طلب ثقة الناخبين، قبل اقتراع 23 شتنبر الذي سيحدد تركيبة مجلس النواب والحكومة المقبلة، لكن جزءاً مهماً من معركة الإقناع يجري خارج التجمعات والخطابات والبرامج.
وبالنسبة إلى قطاع واسع من الشباب، تبدأ العلاقة بالانتخابات من مكان آخر، من فرصة عمل لم تأت، أو خدمة صحية يصعب الوصول إليها، أو تكاليف معيشة تستنزف الدخل، أو شهادة لا تضمن طريقاً واضحاً إلى سوق الشغل.
هذه التفاصيل التي تبدو بعيدة من صناديق الاقتراع تضع الانتخابات المقبلة أمام سؤال يتجاوز نسبة المشاركة ومن سيتصدر النتائج، إلى مدى قدرة السياسات العمومية نفسها على منح المواطن سبباً للثقة في المؤسسات التي يختار ممثليها.
وتظهر عقدة الثقة بصورة أوضح لدى الشباب. فبحسب أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس محمد زكرياء أبو الذهب، لا تنفصل مشاركتهم الانتخابية عن قدرتهم على لمس أثر السياسات الحكومية في حياتهم.
لكن ماذا يعني أن تصبح النتائج اليومية للسياسات جزءاً من قرار التصويت؟ وهل تستطيع الأحزاب إعادة بناء الثقة عبر برامج انتخابية جديدة، إذا كان الناخب يقيسها أولاً بما تحقق في التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية؟ وأين تبدأ مسؤولية المواطن عن المشاركة وأين تنتهي مسؤولية السياسة عن إقناعه بجدواها؟
الثقة خارج الصندوق
وتقدم الانتخابات عادة باعتبارها الآلية التي يمنح عبرها الناخب ثقته لحزب أو مرشح، لكن قراءة أبو الذهب للاستحقاق المقبل تقلب المعادلة جزئياً، إذ تجعل الثقة نفسها نتيجة لفعالية السياسات وليست شرطاً سابقاً للمشاركة فقط.
فالخبير يرى أن التشريعيات تأتي وسط رهانات تشمل مواصلة الإصلاحات، وتثبيت دعائم الدولة الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية، ورفع نجاعة الفعل العمومي، وهي ملفات تضع حصيلة السياسات ونتائجها المباشرة في قلب العلاقة بين المواطن والمؤسسات.
ويتصدر التشغيل هذه الانتظارات، إلى جانب الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، فيما تكتسب أوضاع الشباب أهمية أكبر بسبب صعوبة الإدماج المهني والتحولات المتسارعة التي يعرفها سوق العمل.
وبذلك لا تواجه الأحزاب خلال انتخابات 2026 سؤالاً عن عدد الوظائف التي تستطيع الوعد بإحداثها فقط، بل عن قدرة سياساتها على ربط منظومة التكوين بحاجيات سوق الشغل، وتهيئة الشباب للتحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
ويضع ذلك الوعود الانتخابية المتعلقة بالتشغيل أمام امتحان مختلف، لأن سوق العمل الذي ستتعامل معه الحكومة المقبلة لن يكون ثابتاً طوال الولاية، فيما ستحتاج قطاعات ومهن إلى مهارات تختلف عن تلك التي أعدت لها منظومات التكوين أجيالاً سابقة.
من يعبئ الشباب؟
وتتكرر مع كل استحقاق انتخابي الدعوات إلى الشباب للمشاركة والتوجه إلى صناديق الاقتراع، لكن أبو الذهب ينقل جزءاً أساسياً من المسؤولية إلى الفاعلين السياسيين أنفسهم.
فانخراط الشباب، وفق قراءته، يظل رهيناً بمدى شعورهم بأن الخيارات الحكومية تنتج أثراً ملموساً، مما يجعل مشكلة المشاركة مرتبطة أيضاً بنوعية العرض السياسي وبقدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل القرارات إلى نتائج.
ولا يعفي ذلك بقية الفاعلين، إذ يضع الخبير المجتمع المدني والنقابات ضمن الأطراف المعنية بالتحسيس بالمشاركة، لكنه يمنح الأحزاب موقعاً مركزياً في إعادة بناء الصلة بين المواطنين والعمل العمومي.
وتزداد صعوبة هذه المهمة مع تحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى فضاء رئيس للتواصل السياسي، حيث لم يعد الشباب متلقين للخطاب الانتخابي فقط، بل يملكون أدوات لمقارنة التصريحات والوعود والحصائل وتداولها خارج القنوات التقليدية للأحزاب.
وتجعل هذه البيئة محاولة استعادة الثقة أكثر ارتباطاً بما تستطيع الأحزاب إثباته من نتائج، وأقل ارتباطاً بقدرتها على إنتاج خطاب انتخابي مكثف خلال أسابيع الحملة.
اختبار الجهات
ولا ينحصر اختبار النتائج في الحكومة المركزية، إذ يربط أبو الذهب نجاعة الإصلاحات بوجود أغلبية حكومية منسجمة وتحسين التنسيق بين الجهاز التنفيذي والجماعات الترابية.
وتظهر هنا معضلة أخرى تتعلق بالمسافة بين اتخاذ القرار في الرباط ووصول أثره إلى المدن والقرى، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والبنيات التحتية وفرص الشغل.
ويعتبر الخبير أن تحقيق “أجرأة ترابية” فعلية للسياسات العمومية شرط لتنزيل الإصلاحات، بالتوازي مع اعتماد تنمية ترابية مندمجة تقلص الفوارق المجالية، وهي واحدة من القضايا التي ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمامها منذ بداية ولايتها.
ويعني ذلك أن المواطن لن يقيس نجاح البرامج فقط بالمؤشرات الوطنية، بل بما تغير داخل مدينته أو جماعته، وما إذا كانت الخدمات والاستثمارات وفرص التنمية وصلت إلى المجال الذي يعيش فيه.
بين الوعد والأثر
مع اقتراب موعد الاقتراع، ستقدم الأحزاب برامجها ووعودها بشأن التشغيل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة والاستثمار، لكن انتخابات 2026 تحمل معها اختباراً آخر يصعب اختزاله في يوم التصويت.
فالثقة التي تبحث عنها الأحزاب داخل صناديق الاقتراع يجري تشكيل جزء منها طوال سنوات الولاية الحكومية، من خلال وظيفة يحصل عليها شاب، أو علاج يجد إليه المواطن طريقاً، أو مدرسة تتحسن خدماتها، أو فجوة مجالية تضيق.
ومن هنا يبدو سؤال مشاركة الشباب مختلفاً عن الصيغة التقليدية التي تحصر المشكلة في كيفية دفعهم إلى صناديق الاقتراع.
فالسؤال الذي تطرحه انتخابات 2026 هو أيضاً ما إذا كانت السياسة قد منحتهم، قبل ذلك، ما يكفي من النتائج ليجدوا في صندوق الاقتراع أداة قادرة على تغيير شيء في حياتهم.

