بعد ثلاث سنوات على الرسالة التي بعث بها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الملك محمد السادس، والتي شكلت تحولًا غير مسبوق في موقف مدريد بدعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، بات المغرب يرسّخ موقعه كشريك أساسي في العلاقات الثنائية، فارضًا إيقاعه على الملفات الاستراتيجية وفق أولوياته.
في 18 مارس 2022، وصف سانشيز في رسالته المقترح المغربي بأنه “الأكثر جدية وواقعية”، وهو ما مهد الطريق لطي صفحة الأزمة الدبلوماسية الحادة التي نشبت إثر استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي في أبريل 2021.
ومنذ ذلك الحين، تميزت العلاقات المغربية-الإسبانية بمستوى عالٍ من التعاون، غير أن تنفيذ الالتزامات ظل خاضعًا لرؤية الرباط الاستراتيجية، وفق ما يراه محللون.
ولم تكن هذه الخطوة بالنسبة للمغرب، مجرد اعتراف دبلوماسي بل تحوّلا جوهريا عزز مكانته كطرف رئيسي في تحديد ملامح الشراكة الثنائية.
وتقول لورنس ثيو، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة كومبلوتنسي في مدريد، إن “المغرب نجح في فرض جدول أعماله، ونجح في جعل إسبانيا تتبنى مواقف أقرب إلى أولوياته”، مضيفةً أن “العلاقات تسير وفق إيقاع يحدده المغرب وليس العكس”.
ويعكس ملف إعادة فتح الجمارك التجارية في سبتة ومليلية، والذي أُعلن عنه في سياق التقارب الثنائي، بدوره هذه الدينامية.
فرغم الاتفاق الرسمي بين البلدين، لم يتم تنفيذ القرار على نطاق واسع، مما يعكس وفق مراقبين رغبة الرباط في التحكم في وتيرة الانفتاح الاقتصادي مع المدينتين المحتلتين.
وتلاحظ إيرين فرنانديز مولينا، الباحثة في جامعة إكسيتر، أن “التقدم في هذا الملف يسير ببطء شديد”، مضيفةً أن “المغرب لا يبدو مستعجلًا لتغيير الوضع القائم، حيث يواصل فرض إيقاعه في هذه المفاوضات”.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يحتفظ المغرب بموقعه كأول شريك تجاري لإسبانيا في إفريقيا، إذ بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين 22 مليار يورو عام 2024، وفق بيانات رسمية.
كما تعزز التعاون الأمني في مكافحة الهجرة غير النظامية، وهو ملف محوري بالنسبة لإسبانيا، لكنه في الوقت ذاته إحدى الأوراق التي يديرها المغرب وفق استراتيجيته الخاصة.
ومع ترقب انعقاد قمة ثنائية جديدة، يواصل المغرب فرض موقعه كشريك لا غنى عنه لإسبانيا، حيث باتت مدريد تعتمد أكثر من أي وقت مضى على استقرار علاقاتها مع الرباط لضمان مصالحها الأمنية والاقتصادية، في وقت تواصل فيه المملكة المغربية توظيف هذه الشراكة لتعزيز حضورها الإقليمي وترسيخ موقعها في المعادلة الأوروبية.

