في وقت يتهاوى فيه سعر برميل النفط في الأسواق العالمية إلى مستويات لم يشهدها منذ ذروة جائحة كوفيد-19، تستمر أسعار المحروقات في المغرب في التحليق عند مستويات مرتفعة، دون أن يلوح في الأفق أي انعكاس فعلي لهذا التراجع على السوق الوطنية.
ويثير هذا التباين الحاد تساؤلات مستمرة حول جدوى تحرير القطاع، ومدى التزام الفاعلين بالارتباط بالمؤشرات العالمية كما تقتضي قواعد السوق.
فقد هوى خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى نحو 60 دولارًا، وهو أدنى مستوى له منذ أبريل 2021، فيما تراجع برنت إلى أقل من 78 دولارًا للبرميل.
ويعزى هذا الانخفاض إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وتباطؤ الطلب في آسيا، وتخفيضات حادة في الأسعار من جانب المنتجين الخليجيين وعلى رأسهم السعودية.
وفي المغرب، ما زال سعر الغازوال يناهز 12 درهما للتر، بينما يقارب سعر البنزين 14 درهما، وهي مستويات تُذكر بما كانت عليه الأسعار إبان الغزو الروسي لأوكرانيا حين تجاوز سعر البرميل 100 دولار.
ويقول مراقبون إن هذا الانفصال بين السوقين العالمية والوطنية لم يعد محصورا في الهامش الزمني الذي تتطلبه عملية التوريد، بل بات نمطا مستقرا يعكس غياب المنافسة والرقابة في آن واحد.
بعد توقف مصفاة سامير سنة 2016، أصبح المغرب يعتمد كليا على استيراد المواد البترولية المكررة، ما يجعل الأسعار خاضعة لتقلبات أسواق المنتجات النهائية.
لكن هذه الحجة تفقد كثيرا من وجاهتها، بحسب عدد من المتخصصين، في ظل التراجع الملموس لأسعار الغازوال والبنزين في الأسواق الأوروبية، والتي لا تزال أقل بكثير من تلك المعروضة في محطات التوزيع بالمغرب.
ويُعزى جزء كبير من الفرق إلى بنية التسعير الداخلية، حيث تمثل الضرائب المفروضة حوالي نصف السعر النهائي للتر الواحد، إلى جانب هوامش أرباح الشركات الموزعة التي ظلت موضوع انتقادات متكررة من هيئات نقابية ومدنية.
وبحسب الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، فإن “السوق المغربية تحوّلت إلى فضاء مفتوح لتحقيق أرباح مضاعفة دون أي التزام حقيقي بالشفافية أو الانعكاس التلقائي للأسعار الدولية.”.
وفي ظل هذه المعطيات، يتجه كثير من المراقبين إلى ترقّب ما ستُسفر عنه المراجعة النصف شهرية المقبلة، والتي تعتمدها شركات التوزيع بشكل طوعي في غياب تأطير قانوني مباشر من طرف الدولة.
ويُتوقع، وفق الأسعار المرجعية الحالية، أن تُسجَّل تراجعات محدودة في سعر الغازوال، قد لا تتجاوز بضع عشرات من السنتيمات، فيما يُرجّح أن يبقى سعر البنزين مستقرا أو يسجل بدوره انخفاضا طفيفا. غير أن هذه الاحتمالات تظل رهينة باختيارات الشركات وتوجهات السوق الدولية في الأيام القليلة المقبلة.
وبينما يشير المسؤولون الحكوميون إلى أن التحرير مكّن من جذب الاستثمارات وتوفير الإمدادات، يرى مراقبون أن الكلفة الاجتماعية لهذا الاختيار باتت ثقيلة في ظل غياب أدوات فعالة لضبط السوق.
وفي نهاية المطاف، يبقى المستهلك المغربي هو الحلقة الأضعف في معادلة لا تعترف بتراجعات البرميل ما لم تكن ذريعة لرفع الأسعار لا لخفضها.

