أسدل الستار على منتدى الصداقة والاستثمار المغاربي، الذي احتضنته طنجة الأسبوع الماضي، لكن الأسئلة التي لاحقته بعد نهايته بدت أكبر من مذكرات التفاهم التي أعلن عنها، في ظل مؤاخذات طالت جدوى مؤتمر رفع شعارا مغاربيا واسعا، بينما بقيت مخرجاته محدودة، وتمثيله الإقليمي منقوصا، وسياقه الدبلوماسي مثقلا بحساسية العلاقة بين المغرب وتونس.
واحتضنت طنجة، يومي 11 و12 يونيو الجاري، الدورة الثالثة من هذا المنتدى، بتنظيم من غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وبمشاركة فاعلين اقتصاديين وممثلي مؤسسات مهنية من المغرب وتونس وليبيا، إلى جانب هيئات إفريقية.
وقدم المنظمون الموعد باعتباره منصة لتقوية التعاون الاقتصادي، وتشجيع الاستثمار، وتسهيل المبادلات التجارية بين مقاولات ومؤسسات تنتمي إلى الفضاء المغاربي، مع استحضار موقع طنجة كقطب صناعي ولوجستي ومينائي يربط أوروبا بإفريقيا.
غير أن هذا الخطاب لم يمنع بروز مؤاخذات حول المسافة بين عنوان المنتدى ونتائجه المعلنة، إذ انتهى اللقاء أساسا إلى توقيع مذكرات تفاهم، دون الإعلان عن مشاريع استثمارية محددة، أو آجال تنفيذ، أو قيمة مالية للصفقات أو الشراكات، أو مؤشرات تسمح بقياس الأثر المتوقع على المقاولات والأسواق.
مغاربية منقوصة التمثيل
ويطرح استعمال توصيف “مغاربي” أول أسئلة هذا الموعد، في ظل مشاركة اقتصادية دارت عمليا داخل مثلث مغربي تونسي ليبي، دون أن تعكس كامل الخريطة المغاربية أو تقدم مؤشرات على مسار إقليمي متماسك.
وتزداد حدة هذا السؤال بالنظر إلى تعثر مشروع اتحاد المغرب العربي منذ سنوات، وغياب الجزائر عن مثل هذه الصيغ، وتعقد الوضع الليبي، واستمرار البرود الدبلوماسي بين الرباط وتونس منذ أزمة صيف 2022.
وكانت العلاقات المغربية التونسية قد دخلت مرحلة توتر عقب استقبال الرئيس التونسي قيس سعيد زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي خلال قمة “تيكاد” في غشت 2022، وهي الخطوة التي اعتبرتها الرباط عملا خطيرا وغير مسبوق، وردت عليها باستدعاء سفيرها من تونس للتشاور وعدم المشاركة في القمة، قبل أن تستدعي تونس بدورها سفيرها من الرباط.
ومنذ ذلك التاريخ، بقيت العلاقة بين البلدين محكومة بمنسوب واضح من الحذر، رغم استمرار الروابط الشعبية والمهنية والاقتصادية. وهو ما جعل حضور مكون تونسي داخل منتدى اقتصادي بطنجة يطرح سؤالا مزدوجا حول ما إذا كان الأمر يتعلق بقناة مهنية قادرة على تجاوز البرود السياسي، أم بمجرد واجهة تعاون لا تملك شروط تحويل الخطاب إلى نتائج.
ولم يقدم المنتدى، وفق منتقدين، جوابا كافيا عن هذا السؤال، خاصة أن عنوان “الصداقة” بدا أكبر من السياق السياسي الذي يؤطر جزءا من العلاقات بين أطرافه. فالتعاون الاقتصادي لا يقوم فقط على المجاملات المؤسساتية، بل يحتاج إلى مناخ ثقة، وضمانات واضحة، ومسارات تنفيذية، وقنوات متابعة منتظمة.
كما أن الرهان على موقع طنجة، بما تمثله من ميناء عالمي ومناطق صناعية ومنصة لوجستية، بدا في حاجة إلى مضمون اقتصادي أكثر صلابة من مجرد استحضار المكان بوصفه واجهة جذابة للخطابات الاستثمارية. فالمدينة التي تحتضن ميناء طنجة المتوسط ومناطق صناعية موجهة للتصدير لا تحتاج إلى مؤتمرات تكرر مزاياها، بقدر ما تحتاج إلى لقاءات تحول هذه المزايا إلى عقود وشراكات ومشاريع معلنة.
تفاهمات بلا أثر
وشهد المنتدى توقيع مذكرات تفاهم بين غرف ومؤسسات اقتصادية مغربية وتونسية وليبية، من بينها مذكرة ثلاثية، ومذكرة ثنائية بين غرفة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وغرفة التجارة والصناعة للشمال التونسي ببنزرت، إضافة إلى اتفاق بين الشركة الإفريقية للاستثمار وتمويل المشاريع وصندوق ضمان الائتمان الليبي.
لكن هذه المخرجات لم تكن كافية لتبديد الانطباع بأن اللقاء ظل أقرب إلى تمرين بروتوكولي منه إلى منصة اقتصادية منتجة، خصوصا في غياب إعلان مشاريع محددة، أو آجال تنفيذ، أو لجنة تتبع، أو رزنامة لقاءات قطاعية، أو قاعدة بيانات للمشاريع القابلة للتمويل.
ويرى متابعون أن كثرة مذكرات التفاهم في مثل هذه المواعيد لا تشكل، في حد ذاتها، دليلا على النجاح، ما لم ترفق بحصيلة لاحقة تكشف ما تحقق فعلا بعد التوقيع. فالقيمة الحقيقية لأي منتدى اقتصادي لا تقاس بعدد الصور الرسمية، ولا بحجم الكلمات الافتتاحية، بل بما يتركه من أثر لدى المقاولات والأسواق.
ويضع ذلك غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة أمام اختبار ما بعد المنتدى، إذ لم يعد كافيا الإعلان عن نجاح موعد اقتصادي بحجم الحضور أو عدد الاتفاقات الموقعة، بل بقدرته على نشر حصيلة لاحقة تبين ما إذا كان اللقاء قد أنتج شراكات فعلية، أو فتح أسواقا جديدة، أو وفر فرصا ملموسة للمقاولات المحلية.
كما يطرح المنتدى سؤالا أوسع حول جدوى المؤتمرات الاقتصادية التي تراكم عناوين كبرى حول الاستثمار والتعاون الإقليمي، ثم تنتهي إلى بيانات عامة ومذكرات تفاهم لا يعرف الرأي العام الاقتصادي مسارها بعد ذلك.
وبينما شدد المنظمون على أهمية اللقاء في تعزيز المبادلات وبناء جسور التعاون، بقي السؤال الأكثر إلحاحا معلقا بعد إسدال الستار: ماذا سيبقى من المنتدى بعد الصور الرسمية والتوقيعات؟ وهل ستتحول مذكرات التفاهم إلى ملفات قابلة للتنفيذ، أم ستلتحق بسلسلة طويلة من الاتفاقات التي تعبر قاعات الندوات دون أن تصل إلى المقاولات والأسواق؟
وفي انتظار جواب عملي، بقي منتدى الصداقة والاستثمار المغاربي في طنجة محاطا بمفارقة واضحة: عنوان واسع يستدعي حلم الاندماج المغاربي، وسياق سياسي لا يساعد عليه، ومخرجات اقتصادية لم تتجاوز بعد عتبة النوايا. وهي مفارقة جعلت المؤتمر، بدل أن يغلق النقاش حول جدواه، يفتحه على نحو أكثر حدة.
“الصداقة المغاربية” تمر من طنجة بتوقيعات كثيرة ومشاريع غائبة عن الحصيلة

لا توجد تعليقات
