كشفت دراسة اقتصادية حديثة أن ارتفاع العبء الضريبي في المغرب يقلص حجم المكاسب التي يحققها الاقتصاد من الاستثمار الأجنبي المباشر، حتى وإن ظلت العلاقة بين هذه الاستثمارات والنمو الاقتصادي إيجابية على المدى الطويل.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة “Economies” التابعة لمجموعة MDPI، أن زيادة العبء الضريبي تضعف الأثر الاقتصادي للاستثمار الأجنبي، خصوصا عند قياسه بالناتج الحقيقي، وهو ما يطرح أسئلة حول قدرة النظام الجبائي على الموازنة بين تعبئة الموارد والحفاظ على مردودية الاستثمارات الوافدة.
وبحسب النتائج، يؤدي الانتقال من أدنى مستوى للعبء الضريبي المسجل في المغرب خلال الفترة الممتدة من 1990 إلى 2024 إلى أعلى مستوى إلى خفض الأثر المرتبط بالاستثمار الأجنبي بنحو 4.11 في المئة بالنسبة إلى معدل نمو الناتج الداخلي الخام، و31.08 في المئة بالنسبة إلى الناتج الحقيقي، و13.47 في المئة بالنسبة إلى الناتج للفرد.
ويبرز الفارق المسجل على مستوى الناتج الحقيقي باعتباره المؤشر الأكثر لفتا في نتائج الدراسة، إذ يوحي بأن ارتفاع العبء الضريبي يرتبط بتراجع قدرة الاقتصاد على تحويل الاستثمارات الأجنبية إلى تراكم إنتاجي وقيمة مضافة ممتدة على المدى الطويل.
واعتمد الباحثون في قياس العبء الضريبي على إجمالي الإيرادات الضريبية كنسبة من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة تراوحت خلال الفترة المدروسة بين نحو 20.33 و28.67 في المئة، بمتوسط يقارب 24.75 في المئة.
وتحاشى الباحثون تفسير النتائج باعتبارها دعوة مباشرة إلى خفض الضرائب، موضحين أن المؤشر المستخدم لا يعكس فقط المعدلات الجبائية المفروضة على الشركات، وإنما يتأثر أيضا بحجم القاعدة الضريبية، ومستوى الامتثال، وكفاءة التحصيل، وحركة النشاط الاقتصادي.
وتأتي هذه النتائج في وقت بلغ فيه العبء الضريبي في المغرب 28.5 في المئة من الناتج الداخلي الخام سنة 2023، مقابل متوسط بلغ 16.1 في المئة ضمن مجموعة من الدول الإفريقية التي استندت إليها الدراسة، فيما وصلت الإيرادات الضريبية للحكومة المركزية إلى 313.1 مليار درهم سنة 2024.
وفي موازاة ذلك، ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من 10.7 مليارات درهم سنة 2023 إلى 16.3 مليار درهم سنة 2024، بينما بلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية نحو 633.3 مليار درهم بنهاية السنة نفسها.
وترى الدراسة أن التحدي لا يكمن في خفض الضرائب بصورة عامة، وإنما في صياغة بيئة جبائية أكثر وضوحا واستقرارا، وربط الحوافز بالاستثمارات التي تخلق وظائف مؤهلة، وتنقل التكنولوجيا، وتدعم الموردين المحليين، وترفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد المغربي.
واعتمد الباحثون نماذج اقتصادية من نوع ARDL لتحليل بيانات المغرب بين 1990 و2024، مع أخذ عدد من المتغيرات في الاعتبار، من بينها التضخم والانفتاح التجاري والإنفاق الحكومي والتعليم والنمو السكاني.
وخلصت الدراسة إلى أن الاستثمار الأجنبي يظل عاملا داعما للنمو الاقتصادي المغربي، لكن مردوديته تتراجع مع ارتفاع العبء الضريبي، ما يجعل كفاءة النظام الجبائي جزءا من معادلة قدرة المغرب على تحويل تدفقات الاستثمار إلى نمو مستدام وقيمة إنتاجية أعلى.

