لم يكن أحد يتوقع أن يتحوّل هذا الموعد السنوي، الذي وُلد في التسعينات بين رفوف دور نشر محلية وممرات ضيقة لقرّاء أوفياء، إلى منصة دولية تتقاطع فيها الثقافة مع الدبلوماسية، والنشر مع رهانات الجيل القادم.
لكن ذلك ما حدث فعلا، مع وصول المعرض الدولي للنشر والكتاب إلى دورته الثلاثين، وقد وجد في الرباط منذ ثلاث سنوات تربة مختلفة، وفضاءً يليق بمقام الكتاب.
فمنذ انتقاله إلى العاصمة الإدارية سنة 2022، بدا كأن المعرض خرج من منطق “المهرجان” إلى منطق “المؤسسة”. لم يتغير فقط موقعه الجغرافي، بل تغيرت فلسفته التنظيمية، جمهوره، لغته، رسائله، ووقعه في المشهد الثقافي والإعلامي المغربي والدولي.

وإذا كانت الدورات السابقة تقاس بعدد الزوار أو عناوين الكتب المعروضة، فإن الدورة الحالية باتت تُقرأ بميزان آخر: أي موقع للثقافة في المشروع المجتمعي المغربي؟ وأي مستقبل يُراد للكتاب في عصر طغيان الصورة والمنصات الرقمية؟
في فضاء “أو إل إم – السويسي”، الذي يحتضن فعاليات هذه الدورة، لا شيء يشي بأن المغرب بلد يعاني من عزوف قرائي. أطفال يجوبون الأروقة في زيارات مدرسية منظمة، شباب يتنقلون بين المنصات والندوات، وباحثون يتبادلون المداخلات في لقاءات لا تقل عمقا عن المنتديات الدولية.
مشاركة 756 عارضا من 51 دولة، من بينهم 292 بشكل مباشر و464 عبر الوكالة، ليست مجرد رقم، بل مرآة لحيوية ثقافية تصرّ على البقاء في صدارة المشهد، رغم ما يبدو ظاهريا من منافسة غير متكافئة مع المحتويات الترفيهية السريعة.
ومن أبرز علامات النضج هذا العام، حضور إمارة الشارقة كضيف شرف. حضور لم يُصغ وفق منطق المجاملة الدبلوماسية، بل اختيار محسوب لتجربة عربية نجحت في الاستثمار في الثقافة من موقع الاستمرارية لا المناسبات.
تبرز مقاربة وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يقودها محمد المهدي بنسعيد، بهدوء استراتيجي. لا تصريحات نارية، ولا وعود منفوخة، بل قرارات صغيرة بإيقاع منتظم
وبأكثر من 15 دار نشر إماراتية، وبرنامج ثقافي وفني يُحاكي مختلف الأجيال، بدا الجناح الإماراتي وكأنه يلتقي مع الطموح المغربي في بناء تحالفات ثقافية ناعمة، تخرج بالكتاب من عباءة الترف إلى منطق التأثير.
وفي الخلفية، تبرز مقاربة وزارة الشباب والثقافة والتواصل، التي يقودها محمد المهدي بنسعيد، بهدوء استراتيجي. لا تصريحات نارية، ولا وعود منفوخة، بل قرارات صغيرة بإيقاع منتظم تعيد رسم خريطة العلاقة بين الدولة والمجتمع من بوابة الثقافة.
الوزير الشاب، الذي صرّح لوكالة المغرب العربي للأنباء بأن المعرض فرصة لتعزيز الإنتاج القصصي الوطني الموجّه للأطفال بـ”أبطال مغاربة يحكون تاريخ المغرب وتراثه”، لا يخفي رغبته في إعادة هندسة المنظومة القرائية، ليس فقط عبر الفعل الثقافي الكلاسيكي، بل من خلال تثبيت السيادة الرمزية للمغرب على تاريخه، وقيمه، وخياله الجمعي.
وهذا ما يترجم أيضا في برنامج الدورة: عشرات الندوات، أمسيات شعرية، لقاءات مع كتاب وروائيين وصحفيين من ثلاث قارات، نقاشات مفتوحة حول الذكاء الاصطناعي والمجتمع، مستقبل المكتبات، حقوق النشر، وسبل دعم صنّاع المحتوى الجاد في زمن “اللايك” السريع.
المعرض هنا ليس فقط مساحة للعرض، بل مختبر أفكار، وساحة سجال هادئ حول ما يجب أن يكون عليه موقع المثقف في مغرب اليوم والغد.
ولأن المعرض لا يكتفي بالنظر إلى الداخل، خُصص ركن خاص للاحتفاء بمغاربة العالم. تكريم شخصيات فكرية وأدبية بارزة من الجالية، وعلى رأسهم الراحل إدريس الشرايبي، جاء ليؤكد أن الثقافة المغربية ليست محصورة في الحدود، بل هي صوت ممتد في جغرافيات متعددة، بصيغ لغوية وهوويات مركبة، لكنها تعود دائمًا إلى الأصل.
ولا يخلو هذا الخيار من بعد سياسي، إذ يعيد الاعتبار للمغاربة المقيمين في الخارج كفاعلين ثقافيين، لا مجرد تحويلات مالية.

ولأن القراءة تبدأ من الطفولة، فقد أولت الدورة الثلاثون اهتماما خاصا بالأطفال واليافعين. أروقة تفاعلية، ورشات قرائية، عروض مسرحية، ومنصات قصصية، تجعل من الطفل زائا حقيقيا لا تابعا لولي أمره. في هذا الفضاء، تتقاطع التربية مع الترفيه، والتعليم مع اللعب، واللغة مع الصورة، في تجربة لا تُنسى.
ومع كل هذا الزخم، لا يُخفي المتتبعون أن المعرض، رغم تحسنه، ما يزال يواجه تحديات: ضعف التوزيع، غلاء الكتب، غياب دور نشر شابة، وإكراهات الترجمة. لكن ما يُحسب للدورة الحالية، أنها لم تتستر على هذه الإشكالات، بل طرحتها للنقاش، وأعطت للكلمة ما يكفي من حرية كي تطرح السؤال حتى على من ينظّم الحدث نفسه.
ثلاثون سنة إذن، لم تكن فقط أعواما من التنظيم، بل من التراكم، ومن التحوّل البطيء نحو إدماج الثقافة في صلب المشروع التنموي المغربي. والرباط، التي احتضنت هذا التحوّل، لم تقم فقط بتوفير الفضاء، بل صنعت الإطار الرمزي الذي جعل من هذا الموعد السنوي حدثًا سياديًا بامتياز.

