تبدو العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا أكثر تماسكا من التوتر السياسي الذي أعقب أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة أواخر يوليو الماضي، بعدما نسج البلدان خلال العقدين الأخيرين شبكة واسعة من التجارة والاستثمار والإنتاج المشترك جعلت أي اضطراب طويل في العلاقات مكلفا للجانبين.
وكشف تقرير اقتصادي إسباني أن قيمة المبادلات التجارية بين البلدين بلغت 22.757 مليار يورو خلال عام 2025، في مؤشر على حجم الترابط بين اقتصادين يفصل بينهما مضيق جبل طارق، بينما تتداخل مصالحهما في قطاعات تمتد من صناعة السيارات والنسيج إلى الطاقة والمصارف والنقل والبنية التحتية.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية بعد الأزمة التي شهدتها سبتة، وهي مدينة في شمال المغرب تخضع للإدارة الإسبانية وتطالب الرباط باستعادتها، عندما دفعت موجة عبور واسعة أواخر يوليو العلاقات بين البلدين مجددا إلى واجهة النقاش السياسي في إسبانيا.
ولم تبق تداعيات الأزمة محصورة في الجانب الأمني، إذ قدرت غرفة تجارة سبتة الخسائر المباشرة خلال أغسطس بأكثر من 33 مليون يورو، فيما تراجعت مداخيل التجارة بنسبة 53 بالمئة والضيافة بنسبة 50.7 بالمئة.
ورغم هذا الأثر المباشر على اقتصاد المدينة، تكشف مؤشرات التجارة بين المغرب وإسبانيا عن شبكة مصالح أوسع وأكثر تماسكا، إذ بلغت الصادرات الإسبانية إلى المغرب خلال العام الماضي 12.330 مليار يورو، مقابل واردات بقيمة 10.427 مليارات يورو، ما منح مدريد فائضا تجاريا يناهز 1.9 مليار يورو.
ويستحوذ المغرب على نحو 55 بالمئة من الصادرات الإسبانية الموجهة إلى إفريقيا، ليشكل بذلك السوق الإفريقية الأولى لإسبانيا، بينما تمثل إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب وبوابة رئيسية لجزء واسع من تجارته مع الاتحاد الأوروبي.
وتجاوزت هذه العلاقة منذ سنوات نموذج تصدير السلع واستيرادها. ففي صناعة السيارات، على سبيل المثال، ترتبط مصانع مجموعة “رينو” في المغرب بمراكز إنتاجها في إسبانيا، فيما تعمل شركات إسبانية متخصصة في مكونات السيارات داخل المنظومتين الصناعيتين في طنجة والقنيطرة.
ويصنع المغرب أكثر من 700 ألف سيارة سنويا ويصدر نحو 90 بالمئة من إنتاجه، وتستحوذ إسبانيا على نحو خمس صادراته من السيارات، وفقا للمعطيات التي أوردها التقرير.
ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب هذه العلاقات بعدا يتجاوز كلفة الإنتاج. فالمصانع الواقعة في شمال المملكة لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات بحرا عن جنوب إسبانيا، بما يسمح بتقليص آجال الشحن وربط خطوط الإنتاج على ضفتي المضيق.
ويظهر هذا الترابط أيضا في الموانئ. فقد أدى توسع ميناء طنجة المتوسط، أحد أكبر الموانئ في حوض البحر المتوسط وإفريقيا، إلى تنامي حركة البضائع مع موانئ الجزيرة الخضراء ومالقة وألميريا الإسبانية.
وقال كليمنتي غونزاليس سولير، الرئيس المشارك للمجلس الاقتصادي المغربي الإسباني، إن تطور طنجة المتوسط ساهم في زيادة المبادلات مع الموانئ الإسبانية بعد مرحلة أولى اتسمت بمخاوف من منافسة الميناء المغربي.
ولا تقتصر المصالح الإسبانية في المغرب على التجارة. فقد بلغ رصيد الاستثمارات الإسبانية في المملكة 2.508 مليار يورو بنهاية عام 2024، وساهمت تلك الاستثمارات في توفير أكثر من 25 ألف فرصة عمل.
وتشير بيانات إسبانية إلى أن 669 شركة إسبانية تمتلك حصصا لا تقل عن عشرة بالمئة في شركات مغربية، بينما توجد 527 شركة بالمغرب تخضع لسيطرة رأسمال إسباني يتجاوز نصف رأسمالها.
وتقدر المصالح التجارية الإسبانية عدد الشركات التي تمارس أعمالا في المغرب بأكثر من 800 شركة، في حين تحصي وزارة التجارة أكثر من 350 شركة مستقرة بصورة دائمة. ويستقطب المغرب نحو 32 بالمئة من الاستثمارات الإسبانية الموجهة إلى إفريقيا.
ويشمل هذا الحضور مشاريع كبيرة في قطاعات المياه والنقل والطاقة، من بينها محطة لتحلية مياه البحر في الدار البيضاء تنفذها مجموعة “أكسيونا”، وعقد لشركة “CAF” لتزويد المغرب بـ40 قطارا ضمن برنامج لتحديث شبكة السكك الحديدية قبل كأس العالم لكرة القدم عام 2030، التي ينظمها المغرب بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال.
وتعكس هذه المشاريع تحولا في طبيعة العلاقات بين البلدين الجارين. فإسبانيا لم تعد تنظر إلى المغرب باعتباره سوقا قريبة لمنتجاتها فقط، بينما يعمل المغرب على ترسيخ موقعه قاعدة صناعية ولوجستية قريبة من أوروبا ومنصة للوصول إلى أسواق إفريقية وأطلسية.
وفي الوقت نفسه، لا تخلو العلاقة من المنافسة، إذ يسعى المغرب إلى جذب صناعات كانت تتمركز تقليديا في جنوب أوروبا، مستفيدا من كلفة الإنتاج والموانئ والحوافز الاستثمارية واتفاقيات التجارة.
ويقول رجال أعمال في البلدين إن هذا التداخل يمثل في المقابل أحد العوامل التي تكبح انتقال الخلافات السياسية إلى مواجهة اقتصادية واسعة، لأن تفكيك سلاسل إنتاج وتوريد بنيت على مدى سنوات سيحمل كلفة مرتفعة على الشركات والأسواق في الجانبين.
وقال عادل الرايس، الرئيس المشارك للمجلس الاقتصادي المغربي الإسباني، إن أزمة سبتة أظهرت استمرار حساسية الملف الحدودي، لكنه اعتبر أن حجم العلاقات التجارية بلغ مستوى يستدعي إبقاءها بعيدة قدر الإمكان عن الأزمات السياسية.
وأضاف أن إسبانيا لم تعد تكتفي بالبيع للمغرب، بل أصبحت تنتج معه وتمول مشاريع بنية تحتية وتربط موانئها بموانئه وتتعامل مع السوق المغربية بوصفها منصة للامتداد نحو إفريقيا.
وبذلك تضع أزمة سبتة العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار مزدوج: خلافات سياسية وأمنية قابلة للتجدد من جهة، ومصالح اقتصادية أصبحت أكثر تشابكا من أن تتأثر بسهولة بكل أزمة عابرة من جهة أخرى.

