استبعد الجنرال الإسباني فيكتور بادوس، مدير المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية، أي تهديد عسكري من جانب المغرب تجاه إسبانيا، واضعا العلاقات بين البلدين في خانة المصالح المتشابكة والتعاون الأمني، لا في منطق المواجهة.
وقال بادوس، في مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية، ردا على سؤال مباشر حول ما إذا كان المغرب يمثل تهديدا لإسبانيا، إن المملكة “ليست تهديدا” لبلاده، مضيفا أن مدريد والرباط “محكومتان بالتفاهم”.
ويصدر هذا الموقف عن مسؤول عسكري واستراتيجي إسباني في وقت تتجدد فيه، داخل جزء من النقاش الإعلامي والسياسي في إسبانيا، قراءات تربط تحديث القدرات الدفاعية المغربية بمخاوف أمنية مباشرة على الضفة الشمالية للمتوسط.
غير أن بادوس فصل بين التحديث العسكري المغربي وبين العلاقة مع مدريد، معتبرا أن خيار المواجهة العسكرية بين البلدين غير وارد في تقديره. وقال إن شبكة المصالح الاقتصادية تجعل النزاع أمرا صعب التصور، مشيرا إلى وجود نحو ثمانمائة شركة إسبانية تعمل في المغرب.
وربط المسؤول الإسباني تسلح المغرب بسياق إقليمي أوسع، لا بالعلاقة مع إسبانيا. وأوضح أن الرباط تتحرك داخل معادلة تنافس مع الجزائر، خاصة في مجالات الطاقة والنفوذ الترابي وملف الصحراء المغربية، مشيرا في المقابل إلى المستويات المرتفعة للإنفاق العسكري الجزائري من ناتجها الداخلي الخام.
وبهذا المعنى، نقل بادوس النقاش من سؤال “التهديد المغربي” إلى سؤال التوازنات الإقليمية في شمال إفريقيا، حيث تشكل المنافسة المغربية الجزائرية أحد محددات الحسابات الدفاعية، في ظل توتر سياسي مزمن وانسداد دبلوماسي بين البلدين.
وفي المقابل، حدد مدير المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية مصدر الخطر الأكثر إلحاحا بالنسبة لإسبانيا في “التهديد الجنوبي”، القادم من منطقة الساحل، وخصوصا من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث تتراجع سلطة الدولة وتتمدد فروع تنظيمي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية”.
كما أشار إلى الحضور الروسي في المنطقة عبر “أفريكا كوربس”، التسمية الجديدة لحضور “فاغنر”، معتبرا أن هذا العامل يضخ مزيدا من عدم الاستقرار نحو ما وصفه بـ“البطن الرخو” لأوروبا، في إشارة إلى هشاشة الواجهة الجنوبية للقارة أمام اضطرابات الساحل والهجرة والإرهاب.
وفي هذا السياق، قدم بادوس المغرب باعتباره “منطقة وسادة” بالنسبة لإسبانيا، مضيفا أن المملكة “تحمي” بلاده من امتداد هذه التهديدات. وهو توصيف يمنح الرباط، في قراءة المؤسسة الاستراتيجية الإسبانية، موقعا متقدما داخل معادلة الأمن الأوروبي في غرب المتوسط والواجهة الأطلسية.
وتحدث المسؤول العسكري الإسباني أيضا عن تعزيز بلاده للمراقبة البحرية على المسارات الأطلسية، مشيرا إلى وجود سفن إسبانية في السنغال وموريتانيا، بعد تنامي استعمال هذه الطرق في محاولات الوصول إلى جزر الكناري.
وتأتي هذه القراءة في سياق دولي أوسع وصفه بادوس بأنه شديد التقلب والغموض، معتبرا أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض جعلت العالم أقل قابلية للتوقع، في ظل تراجع التعددية وتفكك جزء من القواعد التي حكمت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال إن أوروبا تدفع اليوم ثمن اعتمادها الطويل على المظلة الأمنية الأمريكية، ما أدى إلى نقص في الاستثمار الدفاعي واتساع فجوة القدرات. واعتبر أن القارة تواجه أربع تبعيات كبرى: أمنية تجاه الولايات المتحدة، وتجارية تجاه الصين، وتكنولوجية تجاه الصين والولايات المتحدة، وطاقية بعد انتقال جزء من الاعتماد الأوروبي من روسيا إلى الغاز الأمريكي المسال.
ودعا بادوس أوروبا إلى بناء استقلال استراتيجي حقيقي، معتبرا أن المرحلة الراهنة تضعها أمام خيار “تكون أو لا تكون”، في وقت عادت فيه الحرب إلى القارة وتعيش مؤسسات الأمم المتحدة، بحسب توصيفه، حالة شلل أو غيبوبة.
وتضع تصريحات بادوس العلاقة المغربية الإسبانية داخل هذه التحولات لا خارجها. فإسبانيا، بحكم موقعها بين قارتين وعلى تماس مع المتوسط والأطلسي، لا تنظر إلى المغرب، وفق هذا التقدير، كتهديد عسكري، بل كشريك لا غنى عنه في ضبط الضفة الجنوبية ومواجهة ارتدادات الساحل على الأمن الأوروبي


