أثارت مشاهد تمزيق العلم المغربي خلال احتجاجات شهدتها العاصمة الإسبانية مدريد غضبا في أوساط مغربية، وسط تساؤلات بشأن مشاركة أشخاص من أصول مغربية وجزائرية في تحرك طغت عليه مواقف معادية للمملكة، فيما تتردد معطيات بشأن حضور ناشطين محسوبين على دوائر مؤيدة لجبهة البوليساريو.
وأظهرت مقاطع وصور متداولة عددا من المشاركين وهم يستهدفون العلم المغربي، بينما رددت مجموعات شعارات مرتبطة بسبتة ومليلية والهجرة والعلاقات مع الرباط، بعدما كانت الاحتجاجات قد دعت في الأصل إلى التضامن مع سبتة على خلفية أزمة الهجرة التي شهدتها أواخر يوليو الماضي.
ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من معطيات متداولة بشأن حشد مشاركين جزائريين أو دور منظم لناشطين موالين للبوليساريو في التحرك، لكن الاحتجاجات جرت وسط تعبئة سياسية قادها اليمين الإسباني، الذي صعد خلال الأسابيع الماضية حملته ضد المغرب وضد سياسة حكومة بيدرو سانشيز تجاه الرباط.
وشارك زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فييخو وزعيم حزب فوكس سانتياغو أباسكال في احتجاج مدريد يوم الأربعاء، بعدما دعا الحزبان إلى المشاركة في التحركات التي نظمت في عدد من المدن الإسبانية. واتهم فييخو الحكومة بأنها أصبحت “أقرب إلى المغرب من مجموع إسبانيا”، فيما صعد أباسكال هجومه على سانشيز بسبب طريقة تعامله مع أزمة سبتة.
وتحولت أزمة الهجرة بذلك إلى مادة جديدة في المواجهة الداخلية بين الحكومة والمعارضة، مع تركيز الحزب الشعبي وفوكس هجومهما على العلاقات التي نسجتها حكومة سانشيز مع المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وأظهرت احتجاجات مدريد حدود المسافة التي تفصل في بعض الملفات بين اليمين الإسباني ودوائر داعمة للبوليساريو، إذ يلتقي الطرفان، رغم اختلاف مواقعهما وحساباتهما، عند معارضة جانب من السياسة التي تتبعها مدريد تجاه الرباط.
وتبدو هذه الصلة أوضح في حالة الحزب الشعبي، الذي يحتفظ بقنوات تواصل معلنة مع ممثلي جبهة البوليساريو، رغم قيادته المعارضة المحافظة في إسبانيا.
وكان ممثل الجبهة في إسبانيا عبد الله العربي قد شارك في يوليو 2025 في المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشعبي في مدريد، وقالت وكالة الأنباء التابعة للبوليساريو حينها إن المشاركة جاءت بدعوة من الحزب، وإن العربي التقى مسؤولين وقيادات فيه وبحث معهم “آفاق التعاون المستقبلي” بين الجانبين.
وأثارت الخطوة حينها انتقادات في المغرب، في ظل الغموض الذي حافظ عليه الحزب الشعبي بشأن موقفه من النزاع حول الصحراء، بعد انتقال حكومة سانشيز في 2022 إلى دعم مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب.
ويختلف موقف فوكس عن الحزب الشعبي، إذ لا يتبنى الحزب اليميني المتشدد مواقف البوليساريو، وسبق أن دخل في مواجهة سياسية مع مطالب مرتبطة بالجبهة، إلا أنه يتقاطع معها في التصعيد ضد المغرب وفي رفض طبيعة العلاقات الحالية بين الرباط ومدريد.
وبرز هذا التقاطع مجددا عقب أزمة سبتة، إذ دفع فوكس باتجاه مواقف أكثر تشددا ضد الرباط، بينما كثف الحزب الشعبي الضغط على حكومة سانشيز وطالب فييخو باستدعاء السفيرة المغربية في مدريد وطلب توضيحات بشأن الأحداث التي شهدتها المدينة.
وجاء هذا التصعيد رغم تضارب المعطيات داخل المؤسسات الإسبانية بشأن الاتهامات الموجهة إلى المغرب. ففيما نشرت وكالة الأنباء الإسبانية “إفي” مضمون تقرير أعده مركز تابع للشرطة تحدث عن دخول “مخطط له” وعن أشخاص مرتبطين بقوات الأمن المغربية، أعلن المدير العام للشرطة في اليوم نفسه أنه لا يوجد، بحسب المعلومات التي كانت متاحة له، تقرير يحمل قوات الأمن المغربية مسؤولية التخطيط أو التنفيذ.
وعلى خلفية هذا السجال، اتجه جزء من التعبئة السياسية والإعلامية في إسبانيا من مناقشة أزمة الهجرة إلى مهاجمة المغرب، وهو المناخ الذي تخللته مشاهد تمزيق العلم الوطني في مدريد.
وأثارت مشاركة بعض المغاربة في هذه الاحتجاجات انتقادات واسعة، خصوصا مع ظهورهم داخل تحركات لم تقتصر شعاراتها على مطالبة الحكومة الإسبانية بإيجاد حلول لأزمة سبتة، وإنما امتدت إلى مواقف تستهدف المغرب ورموزه الوطنية.
كما أعاد حضور جزائريين، بحسب المقاطع المتداولة، النقاش بشأن الدور الذي تلعبه الشبكات الداعمة للبوليساريو داخل إسبانيا، حيث تنشط منذ سنوات جمعيات ومنظمات ولوبيات سياسية في الدفاع عن أطروحة الانفصال ومحاولة التأثير في مواقف الأحزاب والمؤسسات الإسبانية.
ولا تعني هذه المعطيات وجود تحالف معلن بين اليمين الإسباني والبوليساريو، لكنها تكشف عن نقاط التقاء سياسية تظهر كلما شهدت العلاقات بين مدريد والرباط أزمة أو توترا.
فبينما يسعى الحزب الشعبي إلى استثمار ملف المغرب في مواجهته مع سانشيز، وتحاول قوى أكثر يمينية مثل فوكس جعل سبتة ومليلية والهجرة محورا لمهاجمة الرباط، تعمل دوائر البوليساريو على استثمار أي توتر مماثل لضرب التقارب المغربي الإسباني وإعادة قضية الصحراء إلى قلب النقاش السياسي في مدريد.
وكانت العلاقة بين الرباط ومدريد قد شهدت تحولا منذ إعلان الحكومة الإسبانية دعمها مبادرة الحكم الذاتي المغربية، وهو الموقف الذي رفضته جبهة البوليساريو وحلفاؤها في إسبانيا، كما تحول إلى أحد الملفات التي يستخدمها الحزب الشعبي لمهاجمة السياسة الخارجية لسانشيز.
وتضع أحداث مدريد هذا التقاطع مجددا تحت الأضواء، إذ اجتمع التصعيد اليميني ضد المغرب مع حضور شعارات ومواقف تتقاطع مع خطاب الأوساط الانفصالية، قبل أن يتحول العلم المغربي نفسه إلى هدف داخل الاحتجاج.
ولا تزال هوية الأشخاص الذين شاركوا في تمزيق العلم وخلفياتهم السياسية محل تداول على شبكات التواصل، فيما لم تظهر معطيات رسمية تثبت صلة تنظيمية مباشرة بينهم وبين البوليساريو.
غير أن مشاركة قيادات اليمين الإسباني في التعبئة ضد سياسة مدريد تجاه المغرب ثابتة، كما أن قنوات الاتصال بين الحزب الشعبي وجبهة البوليساريو معلنة من الطرفين، وهي خلفية تمنح الجدل بشأن احتجاجات مدريد بعدا يتجاوز أزمة الهجرة إلى صراع أوسع حول موقع المغرب في السياسة الداخلية والخارجية الإسبانية.

