كشفت دراسة علمية دولية حديثة أن الأدوار التي تضطلع بها النساء في تدبير البذور الزراعية داخل عدد من المجتمعات القروية لا تحظى بتمثيل كاف في الأبحاث والإحصاءات الفلاحية، مستندة إلى عمل ميداني شمل منطقة بني جرفط بجهة طنجة تطوان الحسيمة، إلى جانب مناطق فلاحية في السنغال ومدغشقر.
وأظهرت الدراسة، التي نشرتها مجلة Agriculture and Human Values التابعة لمجموعة Springer Nature في 21 أكتوبر الجاري، أن اعتماد الباحثين على الرجال باعتبارهم الممثلين الرئيسيين للأسر الفلاحية يؤدي إلى إغفال جانب من المعارف والممارسات المرتبطة باختيار البذور وتدبيرها ومصادر الحصول عليها.
واعتمد فريق البحث على استطلاعات شملت 1054 ضيعة فلاحية صغيرة موزعة على البلدان الثلاثة، في إطار مشروع علمي يهتم بالتنوع الزراعي وقدرة المزارع الصغيرة على التكيف مع التقلبات المناخية ومخاطر الجفاف.
وفي المغرب، اختار الباحثون جماعة بني جرفط، الواقعة بشمال غرب المملكة، حيث يعتمد النشاط الزراعي على محاصيل الحبوب والقطاني، خصوصاً القمح الصلب واللين والشعير والحمص والفول، إلى جانب أشجار الزيتون.
وسعى الباحثون إلى فهم أدوار الرجال والنساء في اختيار البذور وحفظها والحصول عليها، من خلال مقابلات ميدانية ومعطيات جُمعت خلال مراحل بحثية امتدت بين 2022 و2024.
وأظهرت الملاحظات الميدانية أن الرجال يحتلون موقعاً رئيسياً في اتخاذ القرارات المتعلقة بالحقول الزراعية والتعامل مع الباحثين والمؤسسات، بينما يرتبط جانب من الأنشطة التي تمارسها النساء بالحدائق المنزلية والزراعات الصغيرة.
وسجل الباحثون صعوبات كبيرة في إشراك النساء بمنطقة الدراسة المغربية، إذ غالباً ما اعتبر الرجال أنفسهم المعنيين بالإجابة عن الأسئلة الفلاحية، فيما أبدت بعض النساء تحفظاً على المشاركة أو اعتبرن أن تدبير البذور ليس من اختصاصهن.
ووثق الفريق حالات تحدثت فيها نساء عن مسؤولياتهن في العناية بالحدائق المنزلية، مقابل تولي الأزواج شؤون الحقول والمواشي، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشراً على ضرورة توسيع مفهوم النشاط الفلاحي عند جمع المعطيات.
ولم تنجح الباحثات المكلفات بالاستطلاع في المغرب في إشراك عدد كاف من النساء يسمح بإجراء مقارنة إحصائية موثوقة بين أجوبة الجنسين، ما دفع الفريق إلى استبعاد العينة المغربية من هذا الجزء من التحليل.
وفي المقابل، أتاحت البيانات المجموعة في السنغال ومدغشقر مقارنة المعلومات التي قدمها الرجال والنساء بشأن المحاصيل والبذور ومصادر الحصول عليها.
وأظهرت المقارنات اختلافات في بعض الأجوبة، خصوصاً بشأن إنتاج البذور داخل الضيعات، والتزود بها عن طريق الأقارب والأسواق وشبكات التبادل بين المزارعين.
وسجل الباحثون أن النساء في البلدين أفدن بالحصول على البذور من نساء أخريات بوتيرة أكبر مما ورد في إجابات الرجال، ما يبرز أهمية العلاقات الاجتماعية في تداول البذور والحفاظ على تنوعها.
وأوضح البحث أن هذه الاختلافات تتأثر بطبيعة المحاصيل والتنظيم الأسري والعادات المحلية، ولا تسمح باستخلاص نتائج موحدة لجميع المجتمعات القروية.
واعتبر الفريق العلمي أن اقتصار الاستطلاعات الزراعية على أرباب الأسر من الرجال يؤدي إلى تكوين صورة غير مكتملة عن مصادر البذور والأنشطة المرتبطة بها، الأمر الذي قد يؤثر في تصميم البرامج العمومية الموجهة إلى الفلاحين الصغار.
ودعا الباحثون إلى اعتماد أساليب ميدانية تراعي توزيع المسؤوليات داخل الأسر القروية، وتتيح للنساء التعبير عن خبراتهن في ظروف مناسبة، مع تكييف مواعيد المقابلات وطبيعة الأسئلة مع واقع العمل المنزلي والفلاحي.
وتكتسي هذه النتائج أهمية بالنسبة إلى مناطق الزراعة البورية بالمغرب، حيث يواجه المزارعون ضغوطاً متزايدة مرتبطة بتقلب التساقطات والحاجة إلى الحفاظ على التنوع الزراعي المحلي.
وتشير الدراسة إلى أن تحسين فهم طرق تداول البذور داخل المجتمعات القروية يقتضي الاستماع إلى مختلف أفراد الأسر المشاركين في الإنتاج الغذائي، بدلاً من الاقتصار على الشخص الذي يمثل الأسرة رسمياً أمام المؤسسات.

