دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرحلة جديدة من التصعيد ضد المحكمة الجنائية الدولية، عبر تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لإقناع عدد من الدول الإفريقية بالانسحاب من المحكمة، في إطار حملة تستهدف تقليص نفوذ المؤسسة القضائية الدولية، بحسب ما أوردته صحيفة “لوموند” الفرنسية.
وأفادت الصحيفة بأن هذه الضغوط بدأت تترجم إلى خطوات عملية، بعدما أعلنت فنزويلا ثم تشاد انسحابهما من المحكمة خلال يوليوز الماضي، وذلك بعد أيام من إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن واشنطن مستعدة للعمل على “تفكيك المحكمة الجنائية الدولية” إذا اقتضى الأمر.
وتأتي هذه التحركات في سياق تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والمحكمة منذ إصدارها، في نونبر 2024، مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، وهو ما اعتبرته واشنطن تجاوزا لاختصاصات المحكمة، ودفعها إلى إطلاق حملة سياسية ودبلوماسية للحد من تأثيرها على الساحة الدولية.
ووفقا لـ”لوموند”، أجرى المسؤول الأمريكي المكلف بالملف الإفريقي في البيت الأبيض فرانك غارسيا جونيور اتصالا مع وزير العدل التشادي في 23 يوليوز، قبل أن تعلن نجامينا بعد أيام مباشرة بدء إجراءات الانسحاب من المحكمة عبر إشعار رسمي وجه إلى الأمم المتحدة.
ورحب المسؤول الأمريكي بالقرار، معتبرا أن تشاد استعادت سيادتها من مؤسسة وصفها بالفاشلة، في حين تنص قواعد المحكمة على أن الانسحاب لا يصبح نافذا إلا بعد مرور عام على إيداع الإشعار الرسمي، ما يبقي الدولة ملزمة بالتعاون مع المحكمة خلال هذه الفترة.
وبررت السلطات التشادية قرارها بما وصفته بازدواجية المعايير، معتبرة أن المحكمة تركز بصورة غير متوازنة على القضايا الإفريقية، بينما رفض خبراء في القانون الدولي هذه الاتهامات، مؤكدين أن عددا كبيرا من الملفات أحيل إلى المحكمة بطلب من الدول المعنية أو بقرارات صادرة عن مجلس الأمن.
وأشارت الصحيفة إلى أن تشاد كانت من أكثر الدول الإفريقية تعاونا مع المحكمة منذ انضمامها إليها عام 2006، إذ سمحت لمحققيها بجمع شهادات لاجئين سودانيين بشأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في إقليم دارفور.
وكشفت “لوموند” أن واشنطن تعتمد في حملتها على مسارين متوازيين، يتمثل الأول في التحذير من احتمال ملاحقة مسؤولين حكوميين أمام المحكمة، بينما يقوم الثاني على التلويح بإعادة تقييم التعاون الأمني والعسكري مع الدول التي ترفض الانسحاب منها.
وأضافت الصحيفة أن أوغندا تلقت رسالة أمريكية تدعوها إلى مغادرة المحكمة مع التحذير من تداعيات محتملة في حال رفضها، في وقت تحدثت فيه مصادر داخل الاتحاد الإفريقي عن اتصالات مماثلة مع بنين، دون أن تعلن أي من الدولتين تغيير موقفها.
وفي المقابل، برزت مواقف إفريقية داعمة لاستمرار المحكمة، من بينها تحرك القاضية البنينية راين ألابيني غانسو، التي شاركت مع قاضيين آخرين في رفع دعوى أمام محكمة أمريكية اعتراضا على العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم إعلانها الانسحاب، شددت تشاد على أنها لا ترفض مبدأ العدالة الدولية، داعية إلى تعزيز الآليات القضائية الإفريقية، بينما سبق للنيجر ومالي وبوركينا فاسو أن أعلنت خطوات مماثلة في ظل تقاربها مع روسيا، مع طرح فكرة إنشاء هيئة قضائية خاصة بمنطقة الساحل.
وتشير “لوموند” إلى أن القارة الإفريقية شهدت خلال السنوات الماضية تجارب قضائية إقليمية، من بينها المحكمة الخاصة التي أنشئت في السنغال لمحاكمة الرئيس التشادي السابق حسين حبري، إضافة إلى المحكمة الجنائية الخاصة في جمهورية إفريقيا الوسطى، غير أن هذه المبادرات لا تزال محدودة مقارنة بحجم الانتهاكات المسجلة في مناطق النزاعات.
ويرى متخصصون في القانون الدولي أن ضعف عدد من الأنظمة القضائية الوطنية، خصوصا في منطقة الساحل والقرن الإفريقي، يجعل المحكمة الجنائية الدولية أداة أساسية لملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية عندما تعجز المحاكم المحلية عن أداء هذا الدور.
وتخلص الصحيفة إلى أن أي انسحاب جديد من المحكمة يمثل ضربة لمكانتها الدولية، سواء من الناحية المالية أو العملياتية، إذ يقلص قدرتها على إجراء التحقيقات وتنفيذ أوامر التوقيف، في وقت تترقب فيه المؤسسة القضائية تطورات المشهد السياسي في الولايات المتحدة، على أمل أن تفضي التحولات المقبلة إلى تخفيف الضغوط المفروضة عليها.

