الحسين أولودي *
الصراحة فكرت كثيرا في هذا الأمر عقب انتهاء الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021 ، حينها كتبت مقالا حول تجديد النخب وإعادة تدوير النخب وأنا هناك في زيارة خاطفة بين جبال باني بمدشرنا قصبة أيت حربيل جماعة تمنارت.
اليوم أعيد وأكرر كأنها أسئلة بقيت في ذهني دون إجابات شافية و صرخة ينطلق صداها من طاطا إلى النخب السياسية في باقي ربوع المملكة أقول :
من المفارقات التي تستحق أن نتوقف عندها طويلا في المشهد السياسي المغربي أن بعض من يكثرون الحديث عن تجديد الخطاب السياسي، وتجديد النخب، والديمقراطية، وإشراك الشباب، هم أنفسهم من أكثر المتشبثين بمواقع القيادة، وكأن الأمانة العامة للحزب أصبحت ملكية شخصية لا تنتهي بانتهاء الولاية، ولا تتأثر بتعاقب الأجيال.
كيف يمكن لقيادة حزبية أن تتحدث صباح مساء عن ضرورة تجديد الحياة السياسية، بينما لا تزال هي نفسها جاثمة على كرسي القيادة منذ سنوات طويلة؟ وكيف يمكن لمن يطالب الشباب بالصبر وانتظار دوره أن يقنع هذا الشباب بأن المؤسسات الحزبية ديمقراطية فعلاً، إذا كان تداول المسؤولية داخلها يبدو أحياناً أشبه بدائرة مغلقة لا يدخلها إلا من يحظى بالرضا السياسي للقيادة؟
المشكلة ليست في عمر السياسي، فالعمر ليس تهمة، والخبرة ليست عيباً، بل إن السياسة تحتاج إلى أصحاب التجربة والحكمة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة إلى ذريعة للاستمرار الدائم، ويتحول التاريخ النضالي إلى شهادة أبدية للبقاء في موقع القيادة. فالسياسي الحكيم ليس فقط من يعرف كيف يصل إلى القمة، وإنما أيضاً من يعرف متى يفسح المجال لغيره.
إن الحزب السياسي الذي لا يستطيع أن يجدد قياداته، ولا يفتح نوافذه أمام جيل جديد، ولا يسمح للشباب بتولي المسؤولية الفعلية، يصبح مع مرور الوقت مؤسسة تخشى المستقبل بدل أن تصنعه. والأسوأ من ذلك أن يتحول الشباب داخل الحزب إلى مجرد جمهور للتصفيق، أو وقود انتخابي، أو واجهة شبابية في الحملات، بينما تظل مفاتيح القرار في أيدي الوجوه نفسها.
والسؤال هنا مشروع: متى سنؤسس فعلا لقطيعة مع ثقافة توريث المواقع داخل المؤسسات الحزبية؟ ومتى سنقطع مع منطق الريع التنظيمي؟ ومتى سنتجاوز عقلية “أنا بوحدي اللي مضوي الحزب”؟
الحزب ليس ملكا لأمينه العام، ولا مزرعة سياسية لعائلته، ولا إرثاً شخصياً ينتقل من جيل إلى جيل. الحزب ملك لمناضليه، ومؤسسة وطنية يفترض أن تكون مدرسة للديمقراطية قبل أن تطالب المجتمع والدولة بالديمقراطية.
والأخطر أن تتحول بعض الأحزاب إلى فضاءات ينتظر فيها من الشباب أن يكبر ويشيب حتى يأتي دوره. فإذا كان الشاب في العشرين أو الثلاثين أو الأربعين مطالبا بأن ينتظر حتى يبلغ الستين أو السبعين كي يحصل على فرصة حقيقية للقيادة، فأي تجديد هذا؟ وأي ديمقراطية داخلية نتحدث عنها؟
نحن لا نريد أن نرى جيلاً سياسياً جديداً ينتظر دوره لعقود، ثم يجد نفسه أمام السؤال نفسه الذي كان يطرحه آباؤه قبله: متى ستأتي فرصتي؟
الشباب المغربي اليوم ليس فقيرا في الأفكار، ولا عاجزا عن تحمل المسؤولية. لديه تكوين جامعي، وتجارب مهنية، وقدرة على التواصل مع العالم، وإلمام بالتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة الدولية، وأفكار جديدة حول التنمية والإدارة والمجتمع. ما ينقصه في كثير من الأحيان ليس الكفاءة، وإنما الفرصة.
ولذلك فإن على القيادات التاريخية داخل الأحزاب أن تفهم أن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه السياسي ليس أن يبقى في القيادة إلى آخر الطريق، وإنما أن يترك وراءه جيلاً قادراً على حمل المشعل.
لقد آن الأوان لأن تصبح مغادرة المسؤولية فضيلة سياسية وليست هزيمة، وأن يصبح تسليم المشعل للجيل الجديد علامة على قوة القائد، لا دليلاً على ضعفه.
ومن المؤسف أيضا أن بعض القيادات الحزبية التي تطالب الآخرين باحترام المؤسسات والدولة ورموزها، تنسى أحياناً أن رجل السياسة مطالب قبل غيره بأن يكون نموذجاً في احترام المؤسسات، والاختلاف المسؤول، واللغة السياسية الرصينة. فالاختلاف مع رجال الدولة والمؤسسات حق مشروع، والنقد السياسي جزء من الديمقراطية، لكن تحويل الخلاف إلى شخصنة أو تجريح أو حملات مستمرة لا يصنع دولة قوية ولا حزبا قويا
السياسة ليست صراخا( ولا كثرة الخرجات بمناسبة وبدون مناسبة) وليست استعراضا(لانتقاد الفرقاء السياسينأوالزملاء في الحزب ) وليست معركة دائمة مع كل من يختلف معنا(ايديولوجيا أوسياسيا أو في توجهاته ) السياسة مسؤولية، وأخلاق، وحساب دقيق للكلمة والموقف والتوقيت.
ومن حق المواطن أن يسأل بعض السياسيين الذين أمضوا عقودا في مواقع القيادة: ماذا قدمتم لتكوين جيل يخلفكم؟ وكم شابا منحتموه فرصة حقيقية لاتخاذ القرار؟ وكم مرة قبلتم أن يكون خليفتكم شخصا لا ينتمي إلى دائرتكم الضيقة؟
أما أن تظل القيادة مغلقة على الوجوه نفسها، ثم نطالب الشباب بالانخراط السياسي، فذلك أشبه بمن يقول للشباب: تعالوا إلى السياسة، ولكن لا تقتربوا من مراكز القرار!
نحن بحاجة إلى أحزاب سياسية تشبه مغرب اليوم، لا أحزابا تعيش بعقلية الأمس. أحزابا تؤمن بأن التداول سنة ديمقراطية، وأن القيادة مسؤولية مؤقتة، وأن المنصب ليس غاية في حد ذاته.
ولعل أكبر اختبار للديمقراطية داخل أي حزب ليس عدد المؤتمرات التي يعقدها ولا عدد الخطب التي تلقى فيها عن الديمقراطية وإنما هل يستطيع أمينه العام أن يقبل فكرة أن يأتي بعده شخص آخر؟هنا تحديدا تبدأ الديمقراطية الحقيقية.
فيا من أمضى سنوات طويلة في القيادة: احترموا تاريخكم بأن تتركوا للأجيال الجديدة فرصة صناعة تاريخها اتركوا للشباب المغربي المجال،دعوه يتكلم بلغته(لغة الجيل الجديد لغة التكنولوجيا لغة من الصعب جدا ان يفهمها بعض السياسيين من أجيال فترة الاستقلال و بعدها ) ويفكر بأدوات عصره، ويخوض تجربته ويخطئ ويتعلم(لأنه ليس هناك في هذه الحياة من ازداد معلما )ويصيب وينجح.
فالوطن لا يتوقف على جيل واحد، والحزب لا يموت إذا غادره قائده، والسياسة ليست كرسيا يورث بل مشعل يجب أن يعرف حامله متى يسلمه إلى يد أخرى.
*باحث في الجغرافيا السياسية

