أطلقت المفوضية الأوروبية تعديلات جديدة على نظام تداول الانبعاثات الخاص بالنقل البحري، في خطوة تهدف إلى الحد من محاولات شركات الشحن الالتفاف على الرسوم البيئية، وسط توقعات بأن تؤثر الإجراءات الجديدة في المنافسة بين الموانئ الأوروبية ونظيراتها في شمال وغرب إفريقيا، وفي مقدمتها الموانئ المغربية والموريتانية.
وتتضمن المراجعة الأولى لنظام الاتحاد الأوروبي في القطاع البحري خفض الحد الأدنى لنسبة الحاويات العابرة المطلوبة لتصنيف ميناء خارج الاتحاد الأوروبي باعتباره “ميناء مجاورا لإعادة الشحن” من 65 في المئة إلى 50 في المئة، وهو ما يوسع نطاق تطبيق القواعد الأوروبية على عدد أكبر من الموانئ الواقعة على الساحل الأطلسي الإفريقي.
وتسعى بروكسل، من خلال هذه الخطوة، إلى منع شركات الملاحة الدولية من إعادة تنظيم مسارات سفنها بهدف تجنب دفع رسوم الكربون، بعدما لجأت خلال السنوات الأخيرة إلى استخدام موانئ خارج الاتحاد الأوروبي كنقاط لإعادة الشحن قبل مواصلة الرحلات نحو الأسواق الأوروبية.
وأدرجت المفوضية الأوروبية، ضمن وثائقها الفنية، عددا من المشاريع المينائية التي تشهد توسعا متسارعا، من بينها ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي في المغرب، إلى جانب مشاريع تطوير البنية التحتية المينائية في موريتانيا، معتبرة أنها تمتلك قدرة متزايدة على استقطاب خطوط الملاحة الدولية وتحويل جزء من حركة إعادة الشحن بعيدا عن الموانئ الأوروبية.
وبموجب التعديلات الجديدة، فإن توقف السفن في هذه الموانئ لأغراض إعادة الشحن لن يعفيها من احتساب الانبعاثات الكربونية عند مواصلة رحلاتها نحو موانئ الاتحاد الأوروبي، وهو ما يحد من الجدوى الاقتصادية لاستعمالها كبديل لتجنب الرسوم البيئية.
ويرى مراقبون أن القرار الأوروبي يحمل أهمية خاصة بالنسبة إلى موانئ جزر الكناري، وعلى رأسها ميناء لاس بالماس، الذي يعد أحد أبرز مراكز إعادة الشحن وتزويد السفن بالوقود في المحيط الأطلسي، في وقت تزايدت فيه المنافسة مع الموانئ المغربية والموريتانية خلال السنوات الأخيرة.
وفي المقابل، تؤكد الهيئات الممثلة للموانئ الأوروبية أن الإجراءات الجديدة ستحد من بعض مظاهر المنافسة غير المتكافئة، لكنها لن تعالج بالكامل الفوارق المرتبطة بالأعباء الإدارية والتكاليف التي تتحملها الموانئ الأوروبية في إطار نظام الانبعاثات.
ويواصل المغرب تنفيذ استراتيجية واسعة لتطوير بنيته التحتية المينائية، مستندا إلى النجاحات التي حققها ميناء طنجة المتوسط، فيما يشكل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز المشاريع الرامية إلى تعزيز الربط البحري مع دول غرب إفريقيا واستقطاب مزيد من خطوط التجارة الدولية.
وفي الوقت نفسه، تعمل موريتانيا على تحديث موانئ نواكشوط ونواذيبو، مع التركيز على جذب الاستثمارات في قطاع الخدمات اللوجستية والطاقة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي على الساحل الأطلسي.
ولم تقتصر التعديلات الأوروبية على توسيع نطاق الموانئ المشمولة بالقواعد الجديدة، بل شملت أيضا خفض الحد الأدنى لحمولة السفن الخاضعة لنظام الانبعاثات من خمسة آلاف طن إلى 400 طن بالنسبة إلى بعض فئات النقل البحري، بهدف توسيع قاعدة السفن الملزمة بشراء أرصدة الكربون.
وأثار هذا التوجه اعتراضات من شركات الملاحة الأوروبية، التي حذرت من أن إخضاع السفن المتوسطة والصغيرة للرسوم الجديدة سيرفع تكاليف النقل البحري، ويؤثر في حركة التجارة الإقليمية، خاصة بين جزر الكناري والموانئ المغربية والموريتانية.
وفي محاولة لتخفيف الآثار على المناطق الجزرية، اقترحت المفوضية الأوروبية تمديد بعض الإعفاءات والتدابير الانتقالية الخاصة بالمناطق الطرفية حتى عام 2035، غير أن قطاع النقل البحري يعتبر هذه الإجراءات غير كافية، ويطالب بإقرار إطار دولي موحد تقوده المنظمة البحرية الدولية لتفادي تعدد الأنظمة وازدواجية التكاليف على شركات الملاحة.

