تصاعدت في إسبانيا والاتحاد الأوروبي الدعوات المطالبة بتوظيف أوراق اقتصادية وقنصلية وطاقية للضغط على المغرب في ملف الهجرة، في أعقاب أحداث سبتة الأخيرة، في توجه يوسع دائرة التعامل مع الرباط من التعاون الحدودي إلى ربط مصالح لا تتصل مباشرة بالهجرة بمدى استعداد المملكة لمواصلة ضبط طرق العبور نحو أوروبا.
وكشفت النقاشات المتسعة في دوائر أوروبية وإسبانية عن حجم اعتماد إسبانيا والاتحاد الأوروبي على التدخل الميداني للسلطات المغربية لوقف مسارات الهجرة قبل بلوغ الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية أو الوصول إلى الضفة الأوروبية، لكنها أظهرت أيضا توجها لدى بعض الأصوات نحو تحويل المصالح المشتركة مع المملكة إلى أوراق ضغط، عبر التلويح بكلفة اقتصادية وقنصلية في حال تراجع مستوى التعاون المغربي.
وتتوزع الخيارات المطروحة بين تشديد مساطر منح التأشيرات، وتكثيف المراقبة التجارية، وربط المساعدات الأوروبية بمستوى التعاون الحدودي، وصولا إلى مقترحات إسبانية تدعو إلى استغلال البنيات التحتية للربط الكهربائي ومسارات الغاز عبر مضيق جبل طارق.
من الدعم إلى الضغط
وفي السياق المؤسساتي، دعا مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر، في السادس من غشت، إلى تفعيل “كافة وسائل الضغط المتاحة”، مشددا بالخصوص على قطاعي التجارة والتأشيرات لدفع الرباط نحو تشديد مراقبة الحدود وتسريع عمليات إعادة المهاجرين.
ويعكس هذا الطرح انتقالا من منطق يقوم على تمويل التعاون مع دول العبور إلى ربط ملفات اقتصادية وحركة الأشخاص بأدائها في مجال الهجرة، رغم أن هذه الملفات تشكل في الأصل جزءا من علاقات أوسع بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
ويتطابق هذا التوجه مع استراتيجية المفوضية الأوروبية المعلنة في يناير الماضي، والتي تدعو إلى توظيف المساعدات وشروط حركة الأشخاص والتجارة كحوافز وأدوات ضغط مرتبطة بمدى تعاون الدول الثالثة.
وتتيح القواعد الحالية لفضاء “شنغن” فرض إجراءات تقييدية تتضمن رفع رسوم التأشيرات، وإطالة آجال دراسة الملفات، وتقليص تراخيص الدخول المتعدد، في حال تسجيل قصور في التعاون بشأن إعادة قبول المهاجرين.
ولا تقتصر حساسية ورقة التجارة على حجم المبادلات، بل تمتد إلى طبيعة الارتباط الاقتصادي بين الطرفين. فالمنتجات المغربية تدخل السوق الأوروبية في إطار شبكة واسعة من الاتفاقيات وسلاسل الإنتاج والاستثمار المشتركة، ما يجعل الدعوة إلى توظيف هذا الملف في نزاع حول الهجرة نقلا للضغط من الحدود إلى مصالح الشركات والمصدرين والمواطنين.
وبلغ حجم المبادلات السلعية بين المغرب والاتحاد الأوروبي 62,2 مليار يورو خلال 2025، فيما استحوذ الاتحاد على 33,7 في المائة من تجارة المملكة في السلع وظل شريكها التجاري الأول.
وعلى الصعيد الإسباني، دعا تحليل نشره معهد “LISA Institute” إلى توسيع مروحة الضغوط لتشمل تقييد تأشيرات المسؤولين ورجال الأعمال المغاربة، وإلغاء الاستثناءات الممنوحة لسكان المناطق المحاذية لسبتة ومليلية.
كما اقترح نقل الضغط إلى المجال التجاري، عبر تكثيف إجراءات التفتيش الصحي على الصادرات الزراعية والسمكية المغربية في الموانئ الإسبانية بما يؤدي إلى رفع تكلفة النقل وزيادة مدد العبور، أي توظيف إجراءات إدارية وتجارية للضغط في ملف منفصل يتعلق بمراقبة الهجرة.
الطاقة ورقة حساسة
وامتدت هذه الدعوات إلى قطاع الطاقة، حيث ظهرت أكثر المقترحات حساسية، بالنظر إلى انتقالها من التلويح بتقييد امتيازات إلى التفكير في توظيف منشآت حيوية تربط الاقتصادين المغربي والإسباني.
ونشرت صحيفة “إلموندو” تقريرا تناول الكابلات البحرية الممتدة على مسافة تسعة وعشرين كيلومترا تحت مضيق جبل طارق، بقدرة إجمالية تبلغ ألفا وأربع مئة ميغاواط، وقدمت الاعتماد المغربي على الربط الكهربائي باعتباره نقطة يمكن لإسبانيا استثمارها في مواجهة الرباط.
وفي السياق ذاته، دعا الباحث إغناسيو أورباسوس، في تحليل لمركز “Global Affairs” بجامعة نافارا، إلى إدراج سلاسل الإمداد الطاقي ضمن استراتيجية “ردع”، بما يشمل الكهرباء والغاز الطبيعي المسال.
ويقتني المغرب الغاز من الأسواق الدولية ليعاد تحويله في المنشآت الإسبانية قبل ضخه عكسيا عبر الأنبوب المغاربي الأوروبي، خصوصا لتغذية محطتي تهدارت وعين بني مطهر لإنتاج الكهرباء.
ويرتبط هذا المسار بأزمة الطاقة التي أعقبت قرار الجزائر في أكتوبر 2021 وقف إمدادات الغاز عبر أنبوب المغرب العربي وأوروبا، بعدما ظل الأنبوب لعقود ينقل الغاز الجزائري إلى شبه الجزيرة الإيبيرية مرورا بالأراضي المغربية.
وبعد توقف الإمدادات الجزائرية، أعاد المغرب تشغيل الأنبوب في الاتجاه المعاكس، مستفيدا من محطات إعادة التغويز الإسبانية للحصول على الغاز الذي يشتريه بنفسه من الأسواق الدولية.
وتشير معطيات وزارة الانتقال الطاقي المغربية إلى استيراد نحو 0,5 مليار متر مكعب من الغاز سنويا عبر هذا المسار، وهو اعتماد تسعى الرباط إلى تقليصه من خلال تطوير بنيتها الغازية الخاصة وتنويع منافذ التزود بالطاقة.
ويمنح ذلك دعوات الإبقاء على الاعتماد المغربي على المنشآت الإسبانية بعدا يتجاوز الخلاف حول الهجرة، خصوصا أن تحليل أورباسوس ذهب إلى حد الدعوة إلى الحفاظ على موقع إسبانيا بوصفها بوابة للطاقة المغربية، والحد من المشاريع التي تمنح المملكة استقلالية أكبر في هذا المجال.
ورغم هذه الطروحات، لم تعلن الحكومة الإسبانية أي توجه رسمي لتعطيل إمدادات الكهرباء أو الغاز، كما لا تتبنى مؤسسات الاتحاد الأوروبي مثل هذه المقترحات، التي تظل حتى الآن محصورة في أوساط إعلامية وبحثية إسبانية.
سابقة أزمة 2021
ولا يعد ربط ملف الهجرة بالخلافات السياسية بين المغرب وإسبانيا جديدا. ففي ماي 2021، دخل نحو ثمانية آلاف شخص إلى سبتة خلال يومين، بالتزامن مع أزمة دبلوماسية اندلعت بعدما استقبلت مدريد زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج دون إبلاغ الرباط.
واتهمت الحكومة الإسبانية آنذاك المغرب بتوظيف الهجرة في الأزمة، فيما رفضت الرباط اختزال الخلاف في الحدود، مؤكدة أن جوهره يتعلق بموقف مدريد من قضية تمس مصالح المملكة.
وأعادت أزمة يوليوز 2026 ترتيب النقاش في الاتجاه المقابل. فبدلا من التركيز فقط على مسؤولية المغرب في وقف تدفقات المهاجرين، بدأت أصوات أوروبية وإسبانية تبحث في ما تملكه من مصالح مغربية تستطيع ربطها باستمرار هذا الدور.
وفي المقابل، تتمسك المفوضية الأوروبية بمسار مواز يقوم على تعزيز الشراكة التقنية والمالية مع الرباط. واقترحت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين زيادة الدعم الأوروبي للمغرب وتعزيز التعاون في مراقبة الحدود لمنع تكرار أحداث سبتة.
وكان الاتحاد الأوروبي قد خصص سنة 2023 برنامجا بقيمة مئة واثنين وخمسين مليون يورو لدعم تدبير الهجرة في المغرب، يشمل إدارة الحدود ومكافحة شبكات التهريب والعودة الطوعية وإعادة الإدماج.
لكن هذه المبالغ تظل جزءا من كلفة أمنية وميدانية أوسع تتحملها المملكة على امتداد حدود برية وبحرية واسعة، في وقت تستفيد فيه دول الاتحاد الأوروبي مباشرة من اعتراض المهاجرين قبل بلوغ أراضيها.
وتؤكد الرباط في هذا السياق حجم الجهود التي تبذلها. ووفق تصريحات لحسن حداد، الرئيس المشارك للجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، أحبطت السلطات المغربية أكثر من مئتين وسبعة وعشرين ألف محاولة هجرة غير نظامية، وفككت أزيد من ألف وخمسين شبكة للتهريب بين عامي 2023 و2025.
وتبرز هذه الأرقام مفارقة النقاش الدائر بعد أحداث سبتة، إذ يأتي التلويح بتقييد التجارة والتأشيرات والمصالح الطاقية في مواجهة بلد تتولى أجهزته بالفعل منع مئات الآلاف من محاولات الوصول إلى أوروبا.
وبذلك لم يعد النقاش مقتصرا على حجم الدعم الذي تقدمه أوروبا للمغرب مقابل التعاون في الهجرة، بل امتد إلى البحث عن مصالح يمكن الضغط من خلالها على الرباط لضمان استمرار هذا التعاون، بما يحول ملفات التجارة والطاقة وحركة الأشخاص تدريجيا إلى أدوات مرتبطة بوظيفة أمنية يؤديها المغرب على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.

