ربطت صحيفة “The Sunday Times” البريطانية موجة العبور الأخيرة نحو مدينة سبتة بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه شريحة من الشباب المغربي، مسلطة الضوء خصوصا على البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الاستفادة من النمو الاقتصادي الذي تسجله المملكة.
وفي تقرير نشرته الصحيفة في 8 غشت، عرضت شهادات لشباب من شمال المغرب حاولوا الوصول إلى سبتة عقب انتشار منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي تفيد بأن الحدود أصبحت مفتوحة، في وقت شهدت فيه المنطقة تدفقا غير مسبوق للمهاجرين.
ومن بين الحالات التي تناولتها الصحيفة شاب يبلغ 23 عاما من طنجة، حاصل على شهادة في التدبير التجاري ويعمل في مصنع لتصدير الفواكه بأجر قال إنه يبلغ نحو 300 يورو شهريا، بينما أشارت إلى أن شقيقه الأصغر، البالغ 21 عاما، كان من دون عمل عند وقوع الأحداث.
وتقدم “The Sunday Times” هذه الحالات باعتبارها مثالا على الفجوة بين التحسن الذي تسجله المؤشرات الاقتصادية للمغرب وبين الصعوبات التي يقول بعض الشباب إنهم يواجهونها في الحصول على وظائف مستقرة وتحمل تكاليف الحياة اليومية.
وتشير الصحيفة إلى نمو اقتصادي مغربي يناهز 4,5 في المائة، وإلى صعود قطاع السيارات ليصبح من أبرز مصادر الصادرات، لكنها ترى أن الاستفادة من هذا النمو لا تتوزع بصورة متساوية بين مختلف الفئات والمناطق. وهذه قراءة تحليلية للصحيفة وليست تقييما رسميا للاقتصاد المغربي.
وتتقاطع هذه القراءة مع نتائج مسح اجتماعي اقتصادي أُنجز لفائدة المكتب الاتحادي النمساوي للهجرة واللجوء وشمل 600 شخص بين 16 و35 عاما في طنجة والدار البيضاء ومراكش، بينهم 188 من طنجة.
وأظهر المسح أن 52 في المائة فقط من المشاركين في طنجة قالوا إنهم قادرون على تحمل تكاليف السكن، مقابل 58 في المائة في مراكش و67 في المائة في الدار البيضاء. وقال 30 في المائة من عينة طنجة إنهم بالكاد يستطيعون تغطية هذه المصاريف، بينما أفاد 15 في المائة بأنهم يجدون صعوبة في ذلك.
كما سجلت طنجة أعلى نسبة ضمن المدن الثلاث للأشخاص الذين صنفوا أنفسهم على أنهم عاطلون أو لا يعملون حاليا، بنسبة 12 في المائة، مقابل 9 في المائة بمراكش و7 في المائة بالدار البيضاء. ولا تمثل هذه الأرقام معدل البطالة الرسمي، بل نتائج خاصة بعينة المسح.
وأفاد 54 في المائة من المشاركين في طنجة بأنهم يعملون بصورة مستمرة، فيما قال 10 في المائة إنهم يشتغلون بشكل متقطع. وبين العاملين، بلغت نسبة العمل بالأجر اليومي في طنجة 9 في المائة، وفق التقرير نفسه.
وتظهر بيانات السكن بدورها أن 40 في المائة من المشاركين في طنجة يعيشون في مساكن مستأجرة، وهي نسبة أعلى من الدار البيضاء التي سجلت 30 في المائة، وقريبة من مراكش التي بلغت 39 في المائة.
وفي مقابل هذه الضغوط، تتمتع طنجة بموقع متقدم في الاقتصاد المغربي، بفضل توسع صناعة السيارات والأنشطة اللوجستية وميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية، ما يجعل وضع شباب المدينة مثالا لافتا على سؤال أوسع يتعلق بمدى وصول أثر النمو والاستثمار إلى الدخل الفردي والسكن وفرص العمل المستقرة.
وقالت “The Sunday Times” إن عدد محاولات العبور المسجلة قبل اندلاع الأزمة كان قد ارتفع بنسبة 160 في المائة على أساس سنوي حتى 29 يوليوز، استنادا إلى بيانات وزارة الداخلية الإسبانية، قبل أن تؤدي المعلومات المتداولة عبر تيك توك وإنستغرام إلى تسارع التحركات نحو الحدود.
وتحدثت الصحيفة عن نحو 70 ألف شخص عبروا إلى سبتة خلال الأزمة، مشيرة إلى أن معظمهم عادوا لاحقا إلى المغرب. وتظل هذه الحصيلة منسوبة إلى المصادر الإسبانية والصحيفة البريطانية، في ظل اختلاف الأرقام المتداولة بشأن الحجم الإجمالي للعبور.
وتعيد هذه المعطيات طرح سؤال اجتماعي يتجاوز أحداث الحدود نفسها، يتعلق بالعلاقة بين فرص العمل والقدرة على تحمل تكاليف السكن وتنامي الرغبة في الهجرة لدى جزء من الشباب، خصوصا في مناطق شمال المغرب القريبة من أوروبا.
وبالنسبة إلى طنجة، تبدو المفارقة أكثر وضوحا، فبينما تستقطب المدينة مصانع واستثمارات ومشاريع لوجستية كبيرة، تظهر دراسات اجتماعية أن جزءا من شبابها ما زال يواجه صعوبة في تحويل هذا النمو إلى استقرار مهني وقدرة أكبر على تحمل تكاليف السكن والمعيشة.

