تجاوزت ملاعب كرة القدم في القارة الإفريقية وظيفتها من مجرد فضاءات للتنافس الرياضي البريء، لتتحول في الآونة الأخيرة إلى ساحة متقدمة لـ”حروب هجينة” بالغة التعقيد، توظف أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي لاستهداف العمق الاستراتيجي للمملكة المغربية.
هذا ما كشف عنه تحليل قدمه الدكتور عبد الله أبو عوض، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الذي فكك آليات استخدام “التزييف العميق” كسلاح فتاك يسعى لنسف ما أسماه “رأسمال الثقة” بين الشعوب الإفريقية، في وقت تستعد فيه المملكة لاستحقاقات عالمية كبرى.
ويرصد رئيس المنتدى المغربي الدولي للإعلام والاتصال، في تصريحاته لصحيفة وطن 24″ الإلكترونية، تحولا خطيرا في طبيعة الصراع، حيث لم يعد الحدث الرياضي غاية في ذاته، بل صار “محطة في منتهى الحساسية” ومدخلا لتفجير توترات كامنة.
ووفق المقاربة التحليلية للدكتور أبو عوض، فإن كرة القدم، بما تخلقه من “شحنة عاطفية جماعية” هائلة، أصبحت الحاضنة المثالية لتمرير رسائل سياسية مسمومة.
وتعمل الجهات المعادية على استغلال هذه العاطفة عبر ضخ محتويات رقمية مفبركة بدقة، لا تستهدف نتيجة المباراة، بل تستهدف “الوعي الجمعي” بشكل مباشر، بهدف تحويل المنافسة الرياضية من تدافع رياضي إلى استقطاب هوياتي حاد، وتوسيع دائرة الصراع لينتقل من أروقة الدبلوماسية الرسمية إلى صدام مباشر بين الشعوب.
وفي تشريح تقني دقيق لآليات هذه “الحرب القذرة”، يتوقف الخبير الأكاديمي عند نماذج ملموسة تم رصدها تزامنا مع المنافسات القارية، أبرزها مقطع فيديو يظهر شخصا بملامح سنغالية يتحدث الدارجة المغربية ويحرض على الكراهية.
ويؤكد أبو عوض أن إخضاع هذا الشريط للتحليل المخبري يثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه نتاج تلاعب رقمي متطور وليس توثيقا لواقع حقيقي.
وتفضح العلامات التقنية الدقيقة زيف المحتوى، مثل “صفاء البشرة المبالغ فيه” الذي يفتقر للمسحة الطبيعية للبشر، و”طغيان الحواف البيضاء” المحيطة بالشخصية، فضلا عن دقة مريبة في تفاصيل الوجه لا تدركها عين المشاهد العادي، وهي بصمات خوارزمية تؤكد أن الفيديو صُنع في مختبرات موجهة لخلق شرخ دائم بين الشعبين.
ويتجاوز التحليل البعد التقني ليلامس الجيواستراتيجية، إذ يرى أبو عوض أن اختيار استهداف دول تربطها بالمغرب وشائج دينية وتاريخية عميقة، وتحديدا في غرب إفريقيا، يكشف عن استراتيجية خبيثة لضرب “البنى غير المرئية” التي تحفظ التماسك الإفريقي.
فالمعركة هنا، بحسب المتحدث، ليست على ملفات سياسية تقليدية، بل هي “معركة على الريادة المتبادلة”، تسعى فيها “دولة الجوار” لقيادة حملات زرع الفتنة لتغطية فشلها الداخلي اجتماعيا وسياسيا، عبر تضخيم أحداث هامشية وإعادة تأطيرها كصراع حضاري أو عرقي، مستهدفة بذلك تفكيك التضامن العفوي الذي يشكل المناعة الحقيقية للعلاقات المغربية الإفريقية.
ويطرح هذا النمط الجديد من العدوان تحديات قانونية وأمنية غير مسبوقة، حيث يخلق ما يسميه أبو عوض بـ”المنطقة الرمادية” في العلاقات الدولية. فالهجمات تشن عبر حسابات تبدو فردية أو شبكات ذباب إلكتروني، مما يجعل من الصعب تحديد الفاعل أو تحميل دولة بعينها المسؤولية المباشرة، ويضعف بالتالي آليات الردع الدبلوماسية التقليدية القائمة على الإدانة الرسمية. هذا الوضع يدفع نحو إعادة تعريف مفهوم العدوان ليشمل “التأثير المعلوماتي طويل المدى”.
ويخلص التحليل إلى أن مواجهة هذا التهديد الوجودي، خاصة مع استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم، لا تكمن في الردود الانفعالية، بل تتطلب استراتيجية “ثقافية وتواصلية” شاملة. ويشدد أبو عوض على أن الورش الحقيقي للمرحلة المقبلة هو تأهيل الإعلام المغربي ونشر الوعي الجماهيري بآليات التزييف العميق، لتحصين المجتمع وحماية المصالح الدبلوماسية للمملكة من محاولات الاختراق التي تستهدف هويتها وامتدادها القاري.

