نجح فريق دولي من علماء الآثار والمؤرخين في كشف هوية سفينة تجارية هولندية غرقت قبل نحو أربعة قرون في القنال الإنجليزي، بعدما تبين أنها كانت تحمل شحنة كبيرة من القطع الذهبية المغربية خلال رحلة بحرية بين المغرب والأراضي المنخفضة.
ويتعلق الأمر بالسفينة الهولندية “دوم فان كولن”، التي فقدت في مياه بحر المانش سنة 1633 إثر عاصفة قوية ضربت سواحل جنوب إنجلترا، وفق نتائج أبحاث أشرفت عليها مؤسسات أكاديمية وأثرية متخصصة، من بينها جامعة بورنموث والمتحف البريطاني ومجموعة الآثار البحرية بجنوب غرب إنجلترا.
وجاء تحديد هوية السفينة بعد سنوات طويلة من الغموض، إذ كان الغواصون قد عثروا قبل نحو ثلاثة عقود على أكثر من 400 قطعة نقدية ذهبية وسط حطام سفينة مجهولة قرب الساحل الإنجليزي. وأتاحت الدراسات الحديثة ربط تلك القطع بالسفينة الهولندية ومسارها التجاري الأخير.
وأظهرت التحقيقات الأثرية أن السفينة أبحرت من أحد الموانئ المغربية باتجاه هولندا محملة بآلاف القطع الذهبية، قبل أن تتعرض لأحوال جوية قاسية أدت إلى غرقها في عرض القنال الإنجليزي، لتنتهي بذلك رحلة تجارية كانت تعكس حجم المبادلات الاقتصادية بين المغرب وأوروبا خلال القرن السابع عشر.
ويعتبر الباحثون أن هذا الاكتشاف يقدم معطيات جديدة حول الدور الذي لعبه المغرب في شبكات التجارة البحرية الدولية خلال تلك الحقبة، خاصة في ما يتعلق بتداول المعادن النفيسة والحركة التجارية التي ربطت الموانئ المغربية بالمراكز الاقتصادية الأوروبية.
كما تبرز القطع النقدية المستخرجة من الحطام المكانة التي كانت تحتلها العملة المغربية في المبادلات التجارية العابرة للحدود، وتؤكد اندماج المملكة في مسارات التجارة البحرية التي شهدت نموا ملحوظا مع صعود القوى التجارية الأوروبية آنذاك.
ويرى المتخصصون أن تحديد هوية السفينة لا يقتصر على حل لغز أثري فحسب، بل يساهم أيضا في إعادة بناء جانب مهم من تاريخ الملاحة والتبادل التجاري بين شمال إفريقيا وأوروبا، ويفتح آفاقا جديدة للبحث في الروابط الاقتصادية التي جمعت المغرب بعدد من الدول الأوروبية خلال القرن السابع عشر.
ويشكل حطام “دوم فان كولن” أحد أبرز الاكتشافات البحرية الحديثة، لما يحمله من قيمة تاريخية واقتصادية، إذ يوثق لرحلة تجارية انتهت بالغرق، لكنها خلفت أدلة نادرة تسلط الضوء على عمق العلاقات التجارية بين المغرب وهولندا قبل ما يقارب 400 عام.

