قبل أربعة عشر عاما، كانت أصوات الشباب المغربي تتردد في الشوارع تحت لافتات تطالب بالإصلاح والكرامة والحرية. اليوم، ما زالت الأسئلة قائمة، وإن بدت أدوات التعبير مختلفة.
بين لحظة 20 فبراير 2011 وصعود جيل Z في منتصف عشرينيات القرن الحالي، تغيرت ملامح التعبئة، وتبدلت أشكال المطالبة، لكن الجذور الاجتماعية ظلت حاضرة، بأشكال متجددة.
فالحراك الشبابي الذي انفجر في بداية العقد الماضي، لم يكن مجرد تقليد لحراك إقليمي، بل تعبيرا داخليا عن تراكمات مرتبطة بالشغل والتعليم والتمثيلية السياسية.
وقد اختار المغرب حينها مقاربة إصلاحية متدرجة، انطلقت بتعديل دستوري موسع، وتوسيع صلاحيات المؤسسات المنتخبة، وتعزيز الحريات العامة، موازاة مع إطلاق أوراش تنموية مهيكلة.
غير أن الفاعلين الميدانيين الذين قادوا موجة التعبئة الأولى، انسحب كثير منهم من المشهد لاحقا، إما بفعل التحولات السياسية، أو نتيجة الإحباط من بطء وتيرة التغيير.
وخلال سنوات قليلة، صعد إلى الواجهة جيل جديد، وُلد في مغرب مختلف من حيث البنية التحتية والمؤشرات الاقتصادية، لكنه لا يجد نفسه بالضرورة منخرطا في المشروع بنفس الزخم أو اللغة.
ربع السكان المملكة.. صوت متصاعد
بحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغ عدد سكان المغرب 36.828.330 نسمة، منهم 9 ملايين و657 ألفًا و283 شخصا تتراوح أعمارهم بين 13 و28 سنة، أي ما يمثل 26.3 في المائة من مجموع سكان المملكة.
ويُظهر التوزيع الديمغرافي حضورًا متوازنًا نسبيًا داخل هذه الفئة: 4.913.601 ذكر (50.9 في المائة) مقابل 4.743.682 أنثى (49.1 في المائة). وهذه الأرقام تعني أن جيل Z ليس مجرد فئة عمرية، بل هو ربع السكان، وصاحب ثقل اجتماعي متصاعد.
لكن رغم هذا الوزن العددي، يواجه شباب المغرب اليوم وضعية هشّة فيما يتعلق بسوق الشغل. فبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط الخاصة بالفصل الثاني من سنة 2025، بلغ معدل البطالة في صفوف الفئة ما بين 15 و24 سنة مستوى مرتفعا يصل إلى 35.8 في المائة، بينما بلغ 21.9 في المائة لدى الفئة بين 25 و34 سنة. مقابل ذلك، لم يتجاوز المعدل الوطني العام 12.8 في المائة.
كما سجّل معدل الشغل الناقص لدى الفئة 15–24 سنة نسبة 15.2 في المائة، ما يبرز حجم الإكراهات المرتبطة بالولوج إلى فرص عمل مستقرة وذات جودة. وفي ظل هذا المشهد، تحذّر مؤسسات رسمية مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من تنامي فئة “النييت” (NEET): الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين، ويُقدّر عددهم بـ1.5 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، ويرتفع إلى 4.3 ملايين إذا تم احتساب الفئة الممتدة إلى 34 سنة.
من الهاشتاغ إلى الهتاف
ومثلما انطلقت أولى دعوات حراك 20 فبراير من الفضاء الرقمي قبل أن تتجسد في الشارع، يعيد جيل Z اليوم نفس المعادلة، لكن بأدوات أكثر تعقيدا وانتشارا. فالتعبئة لا تبدأ في الشارع، بل في الشبكات الاجتماعية التي تحوّلت إلى حاضن أولي للغضب، ثم ما تلبث أن تتحول إلى وقائع ميدانية تتخذ أشكالًا احتجاجية متعددة.
في الأيام الأخيرة، شهدت عدة مدن مغربية تحركات ميدانية أطلق شرارتها شباب من الجيل الرقمي، جمعهم هاشتاغ أو فيديو أو مقطع ساخر، لكنهم التقوا ميدانيا في لحظة غضب مشترك. هذه الدينامية لا تُدار من طرف قيادات، ولا تنتمي لأطر تقليدية، لكنها تملك من التنظيم العفوي والتكرار الشبكي ما يجعلها مستمرة التأثير.
مقاطع الفيديو القصيرة، واللايفات التفاعلية، والهاشتاغات الموحدة، كلها أدوات تُستخدم ليس فقط لنقل الاحتجاج، بل لتوليده من الأصل. وهكذا، لم يعد الخط الفاصل بين “الافتراضي” و”الواقعي” واضحًا، بل صار الحراك ينتقل من الشاشة إلى الشارع والعكس، في دورة تعبئة متصلة، تفرض نفسها على الفضاء العام وتعيد ترتيب أولويات النقاش.
ولا تقوم هذه التعبيرات، رغم ما قد يبدو فيها من تشتت، تُنتج نوعًا جديدًا من الفاعلية السياسية، على الانتماء بل على التفاعل. جيل Z لا يطالب بإسقاط النظام ولا يرفع شعارات أيديولوجية، لكنه يمارس فعله الاعتراضي بلغة عصرية، لا تقل راديكالية في عمقها عن مطالب الإصلاح التي صاغها جيل 2011.
مؤسسات تتفاعل مع الجيل الرقمي
منذ سنة 2011، اختار المغرب مقاربة إصلاحية متدرجة، انطلقت بإقرار دستور جديد وسّع من صلاحيات المؤسسات المنتخبة، ورسّخ مبادئ الحكامة والعدالة الاجتماعية. كما أعيدت هيكلة منظومة العدالة، وتكرّست استقلالية النيابة العامة، وتم إطلاق مراجعات استراتيجية في قطاعات التعليم والتكوين والصحة والحماية الاجتماعية.
وإلى جانب ذلك، واصلت الدولة المغربية تفعيل برامج سابقة مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أُطلقت منذ سنة 2005، لكن بأجيال متجددة وأولويات محدثة تُراعي التحولات المجتمعية المتسارعة، ومن ضمنها إدماج فئات الشباب في دينامية التنمية المحلية.
وقد شكّل “النموذج التنموي الجديد”، المعتمد رسميا سنة 2021، خطوة نوعية لإعادة ترتيب أولويات الدولة، ووضع الشباب في صلب الرؤية الاستراتيجية للمرحلة المقبلة.
ويرى مراقبون أن الدولة المغربية تُدرك اليوم أهمية استيعاب هذا التحول، وتسعى إلى بناء قنوات تواصل بديلة، عبر المجالس الاستشارية، ومراكز الاستماع، والمبادرات الميدانية. لكن الإشكال يظل في اللغة، إذ لا يكفي الحديث عن “تمكين الشباب” بل المطلوب مخاطبة الجيل بلغته، وبالوسائط التي يتفاعل معها.
في المقابل، لا يبدو جيل Z في موقع الرفض الكلي، بل في موقع الملاحظة الدقيقة والمساءلة الاجتماعية. ما يطلبه، وفق تعبير أحد الشباب الفاعلين، هو أن “تُحترم طريقته في الكلام، ولا يُختزل صوته في حملات موسمية”.
وبينما يتهيأ المغرب لاستحقاقات اقتصادية ودولية كبرى، تبقى العلاقة مع هذا الجيل مؤشرًا على مدى نجاعة النموذج التنموي، ليس فقط في الأرقام، بل في إعادة بناء الثقة كشرط للانخراط الجماعي.

