يتقدم بخطى محسوبة، وبنظرات هادئة، وبحضور لا يغادر القواعد الصارمة للبروتوكول. وفي المشهد العام المغربي، يبني ولي العهد الأمير مولاي الحسن صورته بالصمت، والمسافة، والانضباط، ليرسم ملامح أمير يتدرج داخل واحدة من أعرق الملكيات في شمال افريقيا، من دون أن ينخرط في السجالات السياسية اليومية.
ومع بلوغه الثالثة والعشرين، الجمعة 8 ماي 2026، تبدو معالم هذا المسار أوضح من أي وقت سابق. فولي العهد لم يعد حاضرا فقط في دائرة المرافقة الرسمية للملك محمد السادس، بل صار أقرب إلى دوائر السيادة ومفاصل الدولة، خصوصا بعد تعيينه، قبل أيام قليلة، منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.
ولا يعتمد الأمير مولاي الحسن على المقابلات الصحفية، ولا على الخطابات الجماهيرية، ولا على صناعة حضور إعلامي مستقل. بل يترك لمحطاته الرسمية، ولتكوينه، ولطبيعة المناسبات التي يحضرها، أن ترسم صورته في وعي الرأي العام.
ومن هنا، تتشكل صورة أمير قليل الكلام، حاضر في اللحظات المنتقاة، ومنضبط داخل المسافة التي ترسمها المؤسسة الملكية لولي عهدها.
ولد الابن البكر للملك محمد السادس في 8 ماي 2003 بالرباط. وقد حمل اسم جده الملك الراحل الحسن الثاني، في إحالة مباشرة إلى ذاكرة سياسية قوية طبعت تاريخ المغرب المعاصر.
غير أن ثقل الاسم لا يحجب مسارا يضع ولي العهد داخل زمن جديد، مختلف في أدواته وسياقاته عن زمن الملوك والأمراء الذين سبقوه.
فالأمير مولاي الحسن ينتمي إلى جيل نشأ في مغرب المشاريع الكبرى، والرقمنة، والجامعات الجديدة، والتحولات الجيوسياسية السريعة.
وعلى المستوى التعليمي، ارتبط اسمه بكلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، في مسار يضعه قريبا من قضايا السياسات العمومية، والاقتصاد، والحكامة، والتحولات الاجتماعية، وهي ملفات باتت في قلب إدارة الدول الحديثة.
وفي حضوره العام، تبدو لغة الجسد جزءا من الصورة. إذ يظهر ولي العهد، في المناسبات التي يترأسها أو يمثل فيها الملك، ببدلات رسمية كلاسيكية، وملامح جادة، وحركة مضبوطة، من دون ارتجال ظاهر. ولا يبدو هذا الهدوء تفصيلا شخصيا فقط، بل امتدادا لطريقة مؤسسة ترى في الرزانة، وضبط المسافة، والابتعاد عن التجاذبات اليومية، جزءا من موقعها فوق الاصطفافات.
وقد بدأ تقديم ولي العهد إلى واجهة الأحداث الكبرى في وقت مبكر، ووفق تدرج واضح. ففي سنة 2017، حضر قمة “وان بلانيت” للمناخ في فرنسا، في موعد وضع صورته ضمن سياق دولي مرتبط بالتحول البيئي والرهانات الكونية.
ولم يكن ذلك حضورا داخليا مألوفا، بل ظهورا في فضاء عالمي، حيث تتحرك الدول بصورها ورموزها كما تتحرك بخطاباتها ومواقفها.
ثم، في سنة 2019، ظهر الأمير مولاي الحسن في محطة اقتصادية بالغة الدلالة، عندما مثل الملك محمد السادس في حفل إطلاق العمليات بميناء طنجة المتوسط 2. وكان الموعد مرتبطا بأحد أبرز المشاريع الاستراتيجية في المغرب، وببوابة لوجستية كبرى تعكس طموح البلاد إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية على ضفتي المتوسط وإفريقيا.
وفي السنة نفسها، حضر ولي العهد في باريس مراسم تشييع الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك. وهناك، انتقلت الصورة إلى مجال آخر: الدبلوماسية، والذاكرة، والعلاقات التاريخية بين الرباط وباريس. ففي مشاهد من هذا النوع، لا تكون البروتوكولات مجرد تفاصيل شكلية، بل لغة سياسية هادئة، تقول من خلال الحضور ما لا تقوله البيانات دائما.
وبذلك، أخذت صورة الأمير تتشكل عبر محطات مختلفة، لكنها مترابطة في دلالتها: المناخ، والاقتصاد الاستراتيجي، والعلاقات الدولية، والذاكرة الدبلوماسية. وهي مجالات لا تقدم ولي العهد باعتباره شخصية بروتوكولية فقط، بل باعتباره وجها ملكيا داخل صورة دولة تتحرك بين إرثها التاريخي ومتطلبات زمن جديد.
وجاءت سنة 2026 لتمنح هذا المسار كثافة أكبر. ففي 30 أبريل، ترأس الأمير مولاي الحسن بالرباط افتتاح الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب. وبدا الموعد، في ظاهره، ثقافيا. غير أن وضع ولي العهد في واجهة حدث مخصص للكتاب والنشر والمعرفة ينسجم مع صورة مغرب لا يريد أن يحصر تحديثه في الموانئ والطرق والمناطق الصناعية، بل يربطه أيضا بالثقافة، والجامعة، وتكوين النخب.
وبعد أيام قليلة، اكتسب المسار بعدا سياديا أكثر وضوحا. ففي 2 ماي 2026، عينه الملك محمد السادس، بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية.
ولا يبدو هذا التعيين مجرد إضافة بروتوكولية إلى سيرة ولي العهد. فهو يضعه في تماس مباشر مع بنية عسكرية مركزية داخل الدولة، ويقربه من مؤسسة تمثل، في المغرب، أحد مجالات السيادة الصلبة. كما أنه يستعيد مسارا سبق أن مر منه الملك محمد السادس عندما كان وليا للعهد، إذ تولى المهمة نفسها ابتداء من سنة 1985، في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.
غير أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في استعادة سابقة ملكية فحسب، بل في ما تكشفه عن طريقة إعداد ولي العهد داخل المؤسسة. فالتدرج لا يتم عبر الظهور وحده، وإنما أيضا عبر الاقتراب المنضبط من مفاصل الدولة، وفهم آلياتها الداخلية، والانتقال الهادئ من الرمز إلى المسؤولية.
ومع ذلك، لا يظهر الأمير مولاي الحسن كنسخة من زمن سابق. صحيح أن اسمه يستدعي الحسن الثاني، وأن موقعه الجديد يستعيد محطة من مسار الملك محمد السادس حين كان وليا للعهد، لكنه يتحرك في مغرب مختلف: مغرب التكنولوجيا، والرهانات الإفريقية، والتنافس الصناعي، والأمن الإقليمي، والتحولات الاجتماعية، وتزايد الحاجة إلى مؤسسات قادرة على الجمع بين الاستقرار والفعالية.
ومن هنا، يكتسب عنوان “مغرب الغد” معناه. فولي العهد لا يجسده عبر خطاب معلن عن المستقبل، بل عبر الصورة التي تتشكل حوله: تكوين حديث، وحضور ثقافي، وتمثيل دبلوماسي، واقتراب من مؤسسة عسكرية سيادية، وابتعاد واضح عن السياسة اليومية.
إنه لا يقدم نفسه عبر الوعود، بل عبر التموقع. ولا يصنع حضوره بالضجيج، بل بالتراكم. وبين اسم يعود إلى ذاكرة الحسن الثاني، ومسار يتشكل في عهد محمد السادس، وزمن مغربي يتغير بسرعة، تبدو صورة الأمير مولاي الحسن أقرب إلى نقطة التقاء بين إرث تاريخي عميق ومتطلبات دولة تبحث عن موقع متقدم في عالم تحكمه التكنولوجيا، واللوجستيات، والأمن، والمصالح المتشابكة.
وفي عيد ميلاده الثالث والعشرين، لا يظهر ولي العهد فقط كأمير داخل بروتوكول ملكي. بل يظهر كواحد من وجوه مغرب الغد: مغرب يحافظ على عمقه الملكي، ويعيد في الوقت نفسه ترتيب صورته داخل مؤسسات اليوم، بهدوء، وتدرج، وثقة في معنى الاستمرارية.

