الإثنين, 8 يونيو 2026
اتصل بنا
لإعلاناتكم
وطن24
  • الرئيسية
  • سياسة
  • مال وأعمال
  • تراث وسياحة
  • المغرب الكبير
  • القضية الفلسطينةالقضية الفلسطينة
  • خارج الحدود
وطن24وطن24
بحث
  • الرئيسية
  • سياسة
  • مال وأعمال
  • تراث وسياحة
  • المغرب الكبير
  • القضية الفلسطينية
  • خارج الحدود
  • أمن روحي
  • بيئة وعلوم
  • اتصل بنا
  • لإعلاناتكم
  • شروط الإستخدام
  • سياسة الخصوصية
جميع الحقوق محفوظة لموقع وطن24 © 2025
آراء

أبعد من المقامات: تفكيك الإختلالات البنيوية في حكامة مهرجان عيساوة بمكناس (الجزء الأول)

شارك

البراق شادي عبد السلام 

تستحضر مدينة مكناس في الوجدان المغربي صورة العاصمة السلطانية التي تروي تفاصيل مجد تاريخي عريق، حيث تختزل أبوابها أسوارها و ساحاتها و أزقتها ذاكرة حية تمتد لقرون، وتتجاوز بمليونيتها السكانية وموقعها الاستراتيجي حدود التأطير المحلي لتصبح قطبا حضاريا يمتلك كافة المقومات لجذب الاستثمارات وتنشيط الحركة السياحية والاقتصادية. حيث تفرض المؤهلات التي تزخر بها العاصمة الإسماعيلية، من تراث مادي ومعنوي ومجالات طبيعية خصبة، ضرورة الانفتاح على أفق دولي أوسع يجعل منها قبلة للسياح و للزوار والباحثين عن قيم الجمال و التاريخ، حيث توفر هذه الإمكانات منصة صلبة لتحقيق إقلاع تنموي مستدام يرتكز على تثمين الرأسمال اللامادي وتحويله إلى محرك للنمو المحلي. فإستثمار هذه الموارد يحتاج إلى رؤية تدرك قيمة الإرث الحضاري كرافعة استراتيجية للتنمية، قادرة على تحويل الممارسات الثقافية إلى صناعة مدرة للقيمة تساهم في تعزيز الدينامية الاقتصادية للمدينة وتفتح لها أبواب الشراكات الدولية.

Ad image

تستوجب هذه المكانة الرفيعة التفكير في أدوار المهرجانات الكبرى، وفي مقدمتها مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية، كأداة فاعلة للتنمية المستدامة، بحيث تتجاوز قيمتها الوظيفية الحيز الوطني نحو التأثير العالمي الذي يليق بمكانة مكناس في الخريطة الثقافية الدولية. حيث يظهر الواقع الحالي وجود فجوة بين الطموحات المشروعة وبين التدبير الفعلي لهذه المواعيد، إذ يعاني المهرجان من محدودية الرؤية الاستراتيجية التي تحصر دوره في أنشطة ذات طابع ظرفي، مما يغيب الأثر التنموي العميق المطلوب في الصناعات الثقافية الكبرى. فغياب إرادة سياسية وثقافية واضحة لصياغة مشروع حضاري متكامل يضع المهرجان ضمن أجندة الفعاليات العالمية يحد من قدرة مكناس على توظيف إشعاعها الفني في خدمة الترويج الترابي، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في أساليب الحكامة الثقافية و الإدارية و التنظيمية المعتمدة لضمان احترافية المهرجان و وجعله محركا حقيقيا للتنمية المحلية.

▪️مكناس: معضلة المهرجانات الموسمية وغياب التنمية الاستراتيجية.

يبرز تقييم أداء مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية كمحطة مفصلية لفهم مآلات الفعل الثقافي في مكناس، حيث تشير القراءات الميدانية إلى اتساع الفجوة بين الإمكانات التاريخية والمجالية الهائلة للمدينة وبين الحصيلة التنموية المتواضعة جدا او المنعدمة على مستوى التسويق الترابي، حيث يصطدم المهرجان بتحديات بنيوية تحول دون مواءمة معايير التنظيم العالمية، مما يبقيه حبيس أطر موسمية تفتقر للعمق الاستراتيجي القادر على خلق دينامية مستدامة، بينما تنجح تظاهرات مثل مهرجان موازين في فرض نفسها كعلامة فارقة في الترويج الدولي للمغرب، أو كما يجسد مهرجان الموسيقى الروحية بفاس نموذجا متفردا في تسويق الهوية الثقافية للمملكة عالميا، مما يضع مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية في مقارنة غير متكافئة. إن غياب تحويل التراث الصوفي إلى منتج ثقافي احترافي يفوت فرصا اقتصادية كبرى كان يمكن أن تخدم الساكنة المحلية وتستقطب استثمارات نوعية تليق بمكانة العاصمة الإسماعيلية كقطب حضاري ذي إشعاع دولي.

بالموازاة مع ذلك، تكشف طبيعة الأنشطة المبرمجة عن غياب رؤية استراتيجية متكاملة، حيث تحصر التظاهرة في قوالب احتفالية تقليدية تفتقر للاستثمار في مجالات البحث، التوثيق، والصناعة الثقافية الرقمية، عكس النجاح الذي يحققه مهرجان كناوة بالصويرة في خلق منظومة اقتصادية متكاملة حول الموسيقى، إذ تشير المعطيات التحليلية إلى أن كل درهم واحد مستثمر في هذا المهرجان يدر عائدا اقتصاديا يقدر بسبعة عشر درهما. يساهم هذا النمط التدبيري في تراجع القدرة التنافسية للمدينة داخل خريطة المهرجانات الدولية، خاصة مع افتقار التظاهرة لآليات قياس الأثر السوسيو-اقتصادي التي تضمن ترشيد الموارد وضمان استدامتها، في حين أثبتت تجارب موازين وفاس أن احترافية التدبير هي المحرك الأساسي لتحقيق الأهداف التنموية الكبرى. إن غياب التقييم الدوري للمردودية المادية والمعنوية يظل العائق الأساسي الذي يحول دون تحويل هذا الموعد الثقافي إلى قاطرة حقيقية للتنمية، مبقيا المهرجان بعيدا عن بلوغ الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي يطمح إليها الفاعلون الاقتصاديون والمؤسساتيون لتعزيز جاذبية مكناس.

وعلى مستوى مواز، يتجلى ضعف الأداء في غياب إستراتيجية تواصلية فعالة تليق بحدث دولي؛ حيث يبرز الموقع الإلكتروني للمهرجان كمنصة رقمية فاشلة وهزيلة في محتواها وتفاعليتها، مقارنة بالمواقع المتقدمة لمهرجانات دولية مشابهة تضع التكنولوجيا في خدمة الجمهور والشركاء. كما يكرس هذا القصور ضعف الحضور المؤسساتي للمهرجان، إذ يسجل غياب تام لـ”مؤسسة المهرجان” عن المواعيد الثقافية والفنية والمؤتمرات الكبرى التي تحتضنها مدينة مكناس، ويأتي في مقدمتها المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب (SIAM)؛ وهي فرصة سنوية ثمينة كان من الممكن استثمارها لعقد شراكات استراتيجية وجذب عقود استشهار وازنة من كبريات الشركات الفاعلة وطنياً، مما يثبت أن غياب الرؤية التسويقية والارتباط بالمجال الاقتصادي يفرغ المهرجان من قدرته على تحقيق الإشعاع المنشود.

إضافة إلى ماسبق فشلت إدارة المهرجان في الحفاظ على استدامة حضوره في الوعي المجتمعي؛ إذ تتحول التظاهرة إلى حدث عابر يختفي أثره فور انتهاء فعالياته، عاجزة عن خلق رابطة مستمرة مع الجمهور أو ترسيخ هوية بصرية وسمعية للمهرجان تمتد طيلة السنة. إن هذا الانقطاع التواصلي يجعل المهرجان كيانا منقطعا عن محيطه، يفتقر إلى استراتيجية صناعة المحتوى التفاعلي الذي يضمن بقاءه في صلب النقاش الثقافي المحلي والوطني، مما يجعله رهينا للمناسبة فقط، بدلا من أن يتحول إلى حالة ثقافية متجذرة في ذاكرة المدينة ووعيها الجماعي. هذا التقصير يبدو أكثر إثارة للقلق، خاصة وأنه يتعلق بالتراث العيساوي الذي يشكل أحد أهم روافد الفكر، والفن، والتراث المكناسي الأصيل، والذي يستحق مقاربة تدبيرية تليق بوزنه الرمزي كعلامة فارقة في الهوية الثقافية للمملكة، لا أن يظل أسير عشوائية التسيير التي تبدد قيمته التاريخية والحضارية.

في السياق نفسه، لا ينفصل هذا الواقع عن المشهد العام للمواعيد الثقافية والفنية في المدينة، إذ تفتقد معظم هذه الفعاليات لأدنى معايير المهنية والاحترافية المطلوبة. تظل هذه المبادرات في جوهرها مناسبات محدودة الأثر، تديرها مجموعات هاوية ذات طابع عائلي و شخصي يغيب عنها التخصص، مما يكرس ضعف الشفافية في التدبير والتسيير المالي والإداري. يؤدي هذا النمط من الإدارة المرتجلة إلى هدر الموارد المتاحة، ويحول دون بناء تراكم حقيقي يخدم الإشعاع الثقافي للمدينة، حيث تصبح المهرجانات في مكناس أقرب إلى التجمعات الخاصة منها إلى تظاهرات عمومية تروم تعزيز التنمية الترابية والاشعاع الحضاري. وتتفاقم هذه الأزمة بكون تلك التظاهرات تظل رهينة للمنح العمومية وريع المال العام، في ظل غياب أي إرادة حقيقية لدى القائمين عليها للبحث عن مصادر تمويل ذاتية أو العمل على تحقيق إستقلالية مالية تضمن لها الاستمرارية والتطور بعيدا عن منطق التبعية للميزانيات المحدودة.

▪️أزمة الحكامة الثقافية في العاصمة الإسماعيلية: التحديات ورهانات المستقبل

يعاني المشهد الثقافي بمكناس من أزمة حكامة هيكلية عميقة، تتجلى بوضوح في غياب رؤية استراتيجية استشرافية لدى الفاعلين المحليين والجهويين، إذ تظل البرامج التنموية المقترحة قاصرة عن إدماج البعد الثقافي كركيزة أساسية، وتكتفي بالمقاربات المناسباتية الظرفية بدلا من بناء سياسة ثقافية قارة ومستدامة. يظل غياب التنسيق المؤسساتي المحكم بين الجماعات الترابية والمصالح الخارجية للقطاعات الوصية عائقا بنيويا أمام صياغة “ميثاق ثقافي” للمدينة يحدد الأدوار والمسؤوليات، مما يحول دون توجيه الاستثمارات العمومية نحو مشاريع ثقافية مهيكلة قادرة على تعزيز الإشعاع الدولي للعاصمة الإسماعيلية. إن هذا القصور في الرؤية لا يتوقف عند مستوى التخطيط، بل يمتد ليشمل تهميش الرأسمال المادي واللامادي الزاخر الذي تختزنه مكناس في مخططات التنمية الجهوية، مما يكرس عزلة العمل الثقافي عن سياقه التنموي الشامل، ويحرم المدينة من استثمار تراثها كقوة ناعمة ومحرك للاقتصاد المحلي.

بالموازاة مع ذلك، تتجسد أزمة الحكامة في تعقد معوقات الإدارة والتمويل التي تنخر جسد التظاهرات الكبرى، حيث تصطدم أي مبادرة للتطوير ببيروقراطية إدارية متصلبة لا تزال تعتمد منطق “المنح السنوية” المحدودة والمستهلكة، عوضا عن تبني نماذج تمويل مبتكرة وشراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص. إن غياب الإرادة السياسية والمجتمعية الحقيقية للانتقال نحو “صناعة ثقافية” ترقى لمستوى الطموحات والانتظارات، يفرض ضرورة ملحة لمراجعة شاملة لآليات التدبير، والانتقال الجذري من منطق التسيير العائلي أو المرتجل إلى إرساء تدبير مؤسساتي احترافي، يرتكز بصرامة على مبادئ الشفافية، الحكامة الجيدة، واعتماد معايير دقيقة لقياس الأثر التنموي. إن تجاوز هذه الوضعية المأزومة يتطلب انخراطا جماعيا لبلورة إرادة سياسية قوية، تتجاوز الحسابات الضيقة، وتدفع في اتجاه خلق بيئة ثقافية احترافية قادرة على تحقيق الاستدامة المالية والموارد، وتحويل الثقافة إلى محرك فعلي وواقعي للنمو الاقتصادي والجاذبية الترابية لمكناس.

▪️مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية بمكناس: من ريع المنح إلى أفق الاستقلالية المالية.

إنَّ إسقاط هذه الرؤية المستقبلية على مهرجان “عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية” يكشف عن ضرورة ملحة لتحويله من تظاهرة موسمية حبيسة قوالب تقليدية إلى نموذج رائد للمقاولة الثقافية؛ إذ يتطلب مستقبله الاستراتيجي التخلي عن منطق إنفاق المال العام والانتقال نحو هيكلة إدارية وفنية متخصصة تتبنى معايير الجودة والتقييم الدوري للأداء، بما يضمن قياس عوائده الاقتصادية والاجتماعية بشكل دقيق وموضوعي.

يتوقف هذا المسار بالضرورة على تطهير المشهد من العناصر غير المهنية، عبر إبعاد ” هداوة 2026 ” من الهواة والمسترزقين، وقطع الطريق على سماسرة الانتخابات وأصحاب الأجندات الضيقة، الذين يسعون لتوظيف المهرجان كخزان انتخابي أو منصة لتمرير مصالحهم الخاصة، ضماناً لتولي الكفاءات المتخصصة زمام الأمور بعيداً عن أي حسابات لا تخدم الصالح العام. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن مهرجان “عيساوة” ليس فكرة وليدة اللحظة، ولا فضل لأي جهة في ادعاء ملكية اقتراحه، إذ إن هذا المهرجان ومقاماته متجذران في التاريخ، وقائمان بفضل إرث صوفي يمتد لأكثر من خمسة قرون؛ فالمهرجان استمرار لروحانية ضاربة في القدم وليست صنيعة أفراد. وتكتسي هذه المحطة دلالة رمزية بالغة، إذ تصادف هذه السنة 2026 الذكرى الخمسمئة لوفاة الشيخ الكامل الهادي بنعيسى، مؤسس الزاوية العيساوية الذي رحل سنة 1526، وهي مناسبة تستدعي استحضار هذه الأمانة التاريخية والارتقاء بالفعل الثقافي إلى مستوى يليق بهذا الزخم الروحي. كما يستوجب هذا التحول توظيف الرقمنة وتطوير الصناعات الثقافية الإبداعية المستمدة من التراث الصوفي الغني لمكناس، لتحويل المهرجان إلى أصل اقتصادي منتج وقادر على المنافسة في المشهد الثقافي الوطني والدولي، تماماً كما نجحت التجارب الرائدة في خلق قيمة مضافة حقيقية تتجاوز الارتجال وتؤسس لاستدامة الفعل الثقافي.

بالموازاة مع ذلك، يبرز مهرجان “عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية” كحالة دراسية تستدعي إرساء شراكات استراتيجية بين القطاع العام، والخاص، والمؤسسات المنتخبة، لضمان تطوير عرض ثقافي متكامل يتجاوز التشتت الحالي ويفك العزلة عن المبادرات الثقافية في المدينة. ولتحقيق هذه الغاية، تفرض المرحلة الحالية، وخلال ندوة عمومية تكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضع حكامة مالية صارمة وشفافة؛ إذ يلتزم المدير العام و المدير التنفيذي بتقديم تقارير تفصيلية دقيقة أمام الرأي العام، تتضمن الميزانية المصروفة من المال العام المستخلص من جيوب دافعي الضرائب، وتوضح طبيعة تعويضات اللجنة العلمية، واللجنة الإدارية، واللجنة التنظيمية وفق ما يسمح به القانون. كما يمتد هذا الالتزام ليشمل تقديم جرد دقيق وشفاف لأرقام الحضور، وعدد السهرات، والمؤشرات التقنية الأخرى، مما يضمن تدبيرا مسؤولا يحفظ الموارد المالية للمدينة ويعزز الثقة بين المؤسسة والمواطن.

وفي هذا الصدد، تقع مسؤولية تحقيق الاستقلالية المالية للمهرجان بشكل مباشر على عاتق كل من المدير التنفيذي و المدير العام، بالتنسيق الوثيق مع مدير التواصل والإعلام والعلاقات العامة و باقي أعضاء اللجنة التنظيمية؛ إذ يقع عليهم صياغة تصور استراتيجي طموح لاستقطاب المستشهرين ونسج شراكات هيكلية مع القطاع الخاص.حيث يستثمر هذا الفريق في المقومات الحضارية للمدينة، وعلى رأسها “باب منصور العلج” و ساحة الهديم كواجهة رمزية عالمية تمنح المهرجان ثقلا بصريا وتسويقيا فريدا، مستندين في ذلك إلى ما سمي في أدبياتهم بالنجاح الباهر الذي حققته الدورة الخامسة، والدعم المؤسساتي الاستثنائي الذي ناهز ملايين الدراهم، فضلا عن الانخراط النوعي والشامل والصادق للمؤسسات السيادية؛ من مصالح وزارة الداخلية إلى المديرية العامة للأمن الوطني وحماية التراب الوطني، والدرك الملكي و الوقاية المدنية، والسلطات المحلية، والقوات المساعدة، التي وفرت للمهرجان مظلة سيادية وأمنية متينة تضمن تأمينه وتحصين مكتسباته و تؤكد على جاذبيته.

إن هذا التراكم المؤسساتي يفرض على الإدارة التنفيذية، بقيادة هذا الفريق، الانتقال من منطق انتظار ريع المنح العمومية لتدبير المال العام المستخلص من جيوب دافعي الضرائب إلى تبني نموذج اقتصادي مبتكر قائم على الأداء الاحترافي، وذلك بعد سنة واحدة فقط من الاشتغال المؤسساتي للمهرجان في نسخته الجديدة. يقتضي هذا التوجه وضع عقود استشهارية فوق الطاولة لا تقل قيمتها عن 50 مليون درهم، مع استهداف رفع هذه العوائد لتصل إلى 100 مليون درهم في أفق السنوات الثلاث المقبلة. إن المراهنة على احترافية التدبير في مجال الإشهار والشراكات، وتطوير دبلوماسية إعلامية فعالة، تفتح أمام المهرجان آفاقاً واعدة، وتجعله قاطرة تنموية حقيقية قادرة على إعادة صياغة الإشعاع الحضاري للعاصمة الإسماعيلية وضمان استدامته، وفق أهداف استراتيجية واضحة تجعل من المهرجان مؤسسة اقتصادية ثقافية مستقلة وذات جدوى تنافسية.

▪️إستراتيجيات القوة الناعمة: رؤية مستقبلية لمهرجان عيساوة الدولي كقاطرة للدبلوماسية الثقافية.

يقتضي تطوير مهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية استثمار بعده الروحي والمادي كأداة جوهرية للقوة الناعمة في السياسة الخارجية للمملكة، وذلك من خلال إدماج المهرجان ضمن الأجندة الثقافية للدبلوماسية الموازية، حيث يتحول من مجرد نشاط فني محلي إلى منصة دولية للحوار الحضاري العابر للحدود. إن الرهان الاستراتيجي يكمن في تصميم برامج تتقاطع مع “الدبلوماسية الروحية”، مستهدفة استقطاب النخب الثقافية والأكاديمية والقيادات الروحية من العمق الإفريقي والشرق أوسطي، مما يكرس مدينة مكناس كمركز إشعاع روحي وتراثي قادر على بناء جسور تواصل ثقافي بنيوي بعيدا عن الأنماط الاستهلاكية السائدة، مع تعزيز موقع المغرب كحاضنة عالمية للوسطية والاعتدال الصوفي. هذا التحول يتطلب العمل على تحويل المهرجان إلى “علامة تجارية ثقافية” (Cultural Brand) مسجلة دوليا، تمنح مكناس هوية تنافسية تفتح أبواب جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة المرتبطة بالسياحة الثقافية النوعية، مع ربط أداء المهرجان بمؤشرات قياس أثر جيوسياسي دقيقة، مثل عدد الشراكات الدولية المبرمة وحجم التعاون الأكاديمي المترتب عن التظاهرة.

بالموازاة مع ذلك، يستدعي المستقبل استثمار “المجال الرقمي السيادي” عبر خلق منصة إلكترونية دولية تحت إشراف علمي رصين، تهدف إلى “عولمة المحتوى العيساوي” وحمايته من القرصنة والتشويه، مع تحويل هذه المنصة إلى قاعدة بيانات ضخمة (Big Data) تخدم الأبحاث الأنثروبولوجية العالمية وتمنح المغرب السيادة الرقمية على تراثه اللامادي. إن هذا التوجه يفرض تأسيس “مرصد مكناس للثقافة الصوفية” ككيان مستقل يقدم استشارات استراتيجية للمؤسسات المنتخبة، ويحدد معايير الهوية البصرية والسمعية للمدينة، مع إحداث “مختبر للابتكار الصوفي” يجمع بين الحرفيين والمهندسين الرقميين لإنتاج محتويات تفاعلية تعيد تعريف التراث للأجيال الصاعدة والجمهور الدولي. ولضمان تكامل هذه الرؤية، لا بد من تشبيك المهرجان مع المهرجانات العالمية الكبرى المهتمة بالموسيقى الروحية لبناء “اتحاد المهرجانات الروحية بالمغرب”، مما يخلق تكاملا في العرض الثقافي وتوحيدا للرؤية الترويجية أمام الشركاء الدوليين، ويحول المهرجان إلى محرك فعال للاقتصاد المعرفي ورافعة حقيقية للتأثير الجيوسياسي.

إنَّ تعزيز البعد الاستراتيجي لمهرجان “عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية” يقتضي تفعيل دبلوماسية ثقافية نشطة تتجاوز الجغرافيا المحلية، عبر تأسيس “رواق مكناس” كمنصة متنقلة في العواصم العالمية لتقديم عروض تدمج الفنون التراثية المرتكزة على الإرث الحضاري و السلطاني لمدينة مكناس ، حيث يهدف هذا الطموح على بناء جسور تواصل مؤسساتية مع التظاهرات الدولية؛ إذ يتطلب على سبيل المثال لا الحصر عقد شراكات هيكلية مع “مهرجان قونية الدولي للموسيقى الصوفية” بتركيا، و”مهرجان سماع الدولي للإنشاد والموسيقى الروحية” بمصر، إضافة إلى المهرجانات المتخصصة في الموسيقى القديمة كـ”مهرجان أوترخت” بهولندا، و”مهرجان يورك” بالمملكة المتحدة، و”مهرجان الباروك في فاليا” بإسبانيا، و”مهرجان بوسطن للموسيقى القديمة”، فضلاً عن الشراكات مع “مهرجان صوت البصيرة” بزنجبار، و”مهرجان النيجر” بمالي، و”مهرجان غابات العالم” بماليزيا، و”مهرجان الموسيقى المقدسة” بكامبوديا.

يتجاوز هذا التوجه مجرد التنسيق الفني، ليمتد إلى استثمار التراكم النوعي والخبرات التدبيرية التي حققتها التظاهرات الوطنية الكبرى؛ كـ”مهرجان الموسيقى الروحية بفاس”، و”مهرجان كناوة”، و”مهرجان موازين”، و”مهرجان ألموكار بطان طان”. تتيح هذه الاستفادة من التجربة الوطنية تأطير “جائزة مكناس الدولية للثقافة الصوفية” لتستقطب الأكاديميين والباحثين، وتطوير “برنامج الإقامة الفنية المشتركة” الذي يحول المهرجان إلى مختبر دولي للابتكار الموسيقي. تساهم هذه الرافعة الوطنية في إدراج المهرجان ضمن مسارات السياحة الروحية العالمية عبر اتفاقيات مع وكالات أسفار دولية.

يستلزم هذا الانتقال النوعي تأميناً سياسياً وإدارياً عبر عقد شراكات استراتيجية مع السلطات الحكومية الوصية؛ فتساهم وزارة الثقافة في التوثيق والحفظ، وتدعم وزارة الداخلية الاستقرار والتنظيم، بينما تضفي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية شرعية مؤسساتية على الأبعاد الروحية للمهرجان، وتعمل وزارة الخارجية على تيسير الحضور الدبلوماسي عبر “رواق مكناس”، وتتولى وزارتا السياحة والصناعة التقليدية تثمين المسار الاقتصادي للمهرجان وجذب الاستثمارات الثقافية، مما يحول التظاهرة من احتفالية محلية إلى قطب عالمي للتبادل النوعي، يرسخ مكانة مكناس كوجهة ثقافية لا غنى عنها في الخريطة الدولية.

على صعيد مواز، يكتسي التحالف مع المؤسسات الفكرية (Think Tanks) أهمية استراتيجية بالغة، حيث تساهم ندوات المهرجان رفيعة المستوى في تغذية النقاش الجيوسياسي العالمي حول الإسلام الوسطي ودوره في مواجهة التطرف، مما يوفر مادة مرجعية لصناع القرار حول العالم. ولتعزيز هذا الأثر، يجب تفعيل “الدبلوماسية الثقافية الرقمية الموجهة” بإنتاج محتوى وسائطي متعدد اللغات يستهدف الأسواق الناشئة، مع توظيف تقنيات الواقع المعزز (AR) لإتاحة جولات افتراضية داخل مآثر مكناس، مما يضمن تدفقا مستمرا للإشعاع الدولي ويحول المهرجان إلى رافعة حقيقية للتأثير الثقافي والجيوسياسي للمغرب، مكرسا بذلك رؤية تتجاوز البعد الموسيقي الصرف إلى أفق الاقتصاد المعرفي والسياسة الثقافية الاستباقية.

▪️المجموعات العيساوية: من الإرث التراثي إلى الشراكة الاستراتيجية في صناعة “العلامة العيساوية”

يُشكل فن عيساوة ظاهرة إبداعية مركبة تتجاوز التنميطات الموسيقية التقليدية لتندرج ضمن منظومة الفنون الأدائية الطقوسية التي تدمج الإيقاع الجسدي بالإنشاد الجماعي في سياق روحاني، حيث يتحول الأداء الصوتي إلى وسيط تقني وجمالي يربط بين الارتجال المنضبط والمقامات التعبدية التي تتصاعد إيقاعيا لتؤثر في الإدراك السمعي والوجداني، مما يجعله فنا أدائيا يتسم بالخصوصية في التفاعل بين “المقدم” والمجموعة، ويسهم كرافد حيوي من روافد التراث الثقافي اللامادي، إذ تتقاطع فيه الموسيقى الفلكلورية مع الشعر الصوفي والأداء المسرحي الوجداني لتشكل تجربة إنسانية شاملة تعيد صياغة العلاقة بين النص الصوفي والممارسة الاجتماعية.

و في سياق استشراف آفاق تحديث المهرجان، يغدو استحضار الدور المركزي للمجموعات العيساوية ضرورة استراتيجية؛ فهي القوة الضاربة والركيزة الروحية التي تمنح التظاهرة جوهرها الأصيل. إن انخراط هذه المجموعات الطوعي و اللامشروط في المشروع الحضاري للمدينة يشكل عنصرا حاسما لضمان إشعاع دولي حقيقي، إذ تتجاوز الممارسة العيساوية كونها تراثا متوارثا لتصبح أحد ركائز الهوية المغربية. غير أن هذا الالتزام يستوجب التفاتة نوعية تتخطى نظرة “الاستهلاك الفني” الموسمية، نحو سياسة إدماجية تضع تطوير قدرات هذه المجموعات في صلب الاستراتيجية الثقافية؛ عبر تأهيلهم مهنيا للمنصات الدولية، وتوفير الأطر القانونية واللوجستية التي تضمن استقرارهم المادي، مما يحررهم من إكراهات العوز ويحفزهم على التجديد. ولتحقيق هذه الاستدامة، يستلزم الأمر تفعيل “أكاديمية عيساوية للفنون التراثية” لضمان النقل المعرفي للأجيال، مع إطلاق “مختبر للابتكار الصوفي” يجمع بين شيوخ الطريقة والمهندسين الرقميين لإنتاج محتويات تفاعلية (VR/AR) تضمن السيادة الرقمية على التراث وتحميه من التشويه أو القرصنة.

إن تثمين هذا الرأسمال البشري يقتضي تحويل المجموعات من مجرد مشاركين في احتفاليات عابرة إلى شركاء فاعلين في صناعة “العلامة العيساوية” (The Issawa Brand)؛ وذلك بمنحهم أدوارا استشارية وإبداعية في ورشات الابتكار والتوثيق، وإشراكهم في هيكلة المنظومة الثقافية للمهرجان ضمن تكتلات مهنية (تعاونيات فنية أو شركات فنية) تضمن لهم التفاوض الجماعي العادل. هذا المسار يكتمل بتبني “بروتوكول المسار المهني للمبدع العيساوي” الذي يصنف الفنانين ويفتح أمامهم آفاق الإقامات الفنية الدولية،حيث يرتقي بالفنان من ممارس هاوٍ إلى محترف مصنف ومؤهل للتعاقد الدولي وتكريس “جائزة مكناس الدولية للموسيقى الصوفية” كآلية أكاديمية لترسيخ مرجعية العاصمة الإسماعيلية عالميا. إن هذا التحول من منطق “الريع الفني” إلى “الشراكة الاستراتيجية” كفيل بجعل الفنان العيساوي شريكا في صناعة القيمة، وسفيرا فوق العادة للثقافة المغربية، ومحركا حقيقيا لتحقيق الإشعاع المنشود؛ إذ تتحول المجموعات من قطع متناثرة من ماضي الأمة إلى قاطرة استشرافية ترسم ملامح مستقبل الثقافة المغربية في الاقتصاد المعرفي العالمي، مما يضمن للمهرجان استدامة فنية وهوية راسخة لا تذوب بانقضاء مواسم العروض.

*الصور من الصفحة الرسمية لمهرجان عيساوة مقامات وإيقاعات عالمية

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بدون مجاملة
تجار الأزمات

ليس كل ما يهز العالم ينبغي أن يهز بالضرورة سعر الأضحية في السوق المغربية. فبين الصواريخ المتبادلة في الشرق الأوسط، وبين الأغنام المعروضة في أسواق الشاوية والرحامنة، ليست هناك تلك…

بانوراما

تراث وسياحة

من إرث بيكاسو إلى وادي التكنولوجيا.. لماذا أصبحت مالقة وجهة استثنائية؟

08 يونيو 2026
المغرب الكبير

ضربة بطائرة مسيرة تودي بحياة نجل الزعيم السابق للبوليساريو

08 يونيو 2026
غير مصنف

المغرب والنرويج يتقاسمان نتيجة الودية الأخيرة قبل مونديال 2026

07 يونيو 2026
أمن روحي

أتباع منير القادري ينقلون نزاع المشيخة إلى مواجهة مع مؤسسات الدولة

07 يونيو 2026

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية لتصلك آخر الأخبار
وطن24
  • سياسة
  • مجتمع
  • الرياضة
  • مال وأعمال
  • خارج الحدود
  • منوعات
  • تراث وسياحة
شروط الإستخدام
سياسة الخصوصية

جميع الحقوق محفوظة لموقع الوطن24 © 2025

وطن24
Username or Email Address
Password

هل نسيت كلمة المرور؟