ان تولد دولة من رحم اتفاق اداري مع المستعمر، فذلك شأن مؤسف؛ اما ان تدعي ان التاريخ بدأ من تلك اللحظة، فتلك صفاقة تمارس في وضح الجغرافيا.
ليست هناك من جريمة اعظم من اعدام الذاكرة باسم السيادة، ولا من كذبة اكثر ركاكة من اختزال التاريخ في 63 سنة، مكتوبة بالحبر نفسه الذي خطت به فرنسا خرائط التقسيم. لان ما يسمى في بعض الادبيات “استقلالا” لم يكن سوى لحظة تسليم مهام، واعادة تموقع لاجهزة النفوذ الاستعماري، لا لحظة قطيعة مع البنية العميقة التي صنعت الكيان وحددت له وظائفه.
فجأة، تحول الاستقلال من مناسبة رمزية الى اعلان تأسيس لكيان بلا اصل، بلا روافد، بلا نسب. لا قبائل ولا امارات ولا روابط بيعة، لا اعلام كانت ترفرف ولا خرائط كان يرسمها الجغرافيون قبل ان يصل الضابط الفرنسي بمسطرة ودفتر احمر. يتم محو كل ذلك بجرة لغة، وبخطاب يسوق لأسطورة ولادة ناصعة من العدم، وكأن الجغرافيا كانت ارضا ميتة، انعشها المستعمر ثم اورثها لخلف يسمى “دولة ما بعد الاستعمار”.
هذا النوع من السرد لا يصنع عن جهل، بل عن قصد. لان الاعتراف بما قبل 1962 يعني الاعتراف بان التاريخ لم يكن دائما حليفا لهذا الكيان، وان الحدود ليست قدرا، وان للجار الغربي امتدادات سياسية وروحية كانت تمر من تلمسان وتستقر في فاس.
ولهذا، يصبح من الاسهل دفن كل ما قبل الاستقلال، وتجفيف ينابيع الذاكرة الجماعية، وتقديم الدولة القائمة اليوم كما لو انها معجزة زمنية لا سابق لها، ولا جذور لها، ولا مساءلة ممكنة حول شرعية ترابها او اصل حدودها.
في المقابل، ترفع عقيدة جديدة تقدس “الحدود الموروثة”، تلك التي خطها الاستعمار على وقع البنادق، وتحولت بقدرة الخطاب العسكري الى خطوط حمراء يتوجب الدفاع عنها، لا لانها شرعية، بل لانها ضرورية لاستمرار الاسطورة. تصبح السيادة متشابكة مع الرضا الاستعماري، ويتحول الارث الفرنسي الى دعامة وجود، ويطلب من باقي الشعوب ان تذعن لهذا المنطق المقلوب الذي يجعل من الاستعمار ضامنا للوحدة الترابية، ومن مقاومته مهددا لها.
بعض الدول تبني هويتها على التعدد والتراكم، وتغترف من عمقها الحضاري وتنوع سردياتها، بينما تتبنى كيانات اخرى استراتيجية النفي، فلا تعترف بما سبقها، ولا تملك الشجاعة لمواجهة مرآة التاريخ. تلغي السياق، وتسجن الجغرافيا في لحظة منفصلة، وتخشى الاسئلة البسيطة من قبيل: من كنا قبل ان يعترف بنا؟ من كان يحكم هذه الارض قبل ان يرسم حدودها الجنرال ليوطي ومبعوثو نابليون الثالث؟
حين تختزل الدولة في ما بعد الاستعمار، فانها تنتج خطابا بائسا، لا يقنع الداخل ولا يقنع الجيران. تحول الاستقلال الى لحظة ولادة قيصرية لكيان لا يعرف اسمه قبل المستشفى الفرنسي. لا يقر بخرائط القناصل، ولا بمسارات القوافل، ولا برسائل البيعة، ولا بنفوذ فاس والرباط وتطوان على مدى قرون. يرفض كل شيء لانه يخشى ان يجد نفسه في موقع المزور، لا المؤسس.
ولا عجب ان يروج هذا الخطاب بين جدران الثكنات، حيث تصاغ المفاهيم بمنطق الامن والرقابة، لا بمنطق الذاكرة والمعنى. هناك، يصبح القرن التاسع عشر عبئا، لا مرجعا. وتمحى كل آثار السيادة القديمة كي لا تحرج السيادة الحالية. تلغى الخرائط القديمة لانها تربك الحدود الجديدة، ويمنع النبش في السجلات لان فيها ما يعيد ترتيب الحكاية لصالح من لا يراد له ان يتحدث.
لكن التاريخ لا يكتب في دفاتر وزارات الدفاع، ولا في كراسات الخطابة الرسمية. لا يسطره رئيس يقرأ من ورقة، ولا يعدل في اجتماعات المغلقين على الخوف. التاريخ ينقب في التراب، يقرأ في الارشيف، يستعاد من اعماق اللغة والوثيقة والشاهد. ومن لم يجد لنفسه موطئ قدم قبل 1962، فليتحمل تبعات كونه ابنا شرعيا للفراغ.
اما المغرب، فلا يحتاج الى التذكير بانه هناك منذ قرون. لا لانه يكررها، بل لان الارض نفسها تقولها، والخرائط، والسفراء، ودفاتر التحصيل، وحجج القضاء، ونقوش المساجد. والمشكل الحقيقي ليس في ان الجار الشرقي يجهل كل هذا، بل في انه يعرفه… ويحاول محوه، لانه كلما تذكره، تذكر انه مجرد امتداد لادارة سابقة، وليس سليل دولة.


