الريف ليس هامشا من هذا الوطن، بل احد وجوهه العريقة. بجباله، وتضاريسه، وذاكرته، وثقافته، ساهم في رسم ملامح المغرب الذي نعرفه اليوم. وان تعددت اللهجات، واختلفت الخصوصيات من جهة الى اخرى، فان الوطن ظل دائما اوسع من ان يحاصر في قالب واحد، او يختزل في لون او لسان او مجال.
لقد حبا الله هذا البلد الامين بتنوع فريد، لا يقتصر على الطبيعة او التضاريس، بل يمتد الى الذاكرة والوجدان. ففي المغرب تتجاور الحواضر والجبال، وتتعانق العربية والامازيغية، وتتكامل الروافد الافريقية والاندلسية والصحراوية والمتوسطية، في نسيج وطني واحد، لا تلغيه الفوارق بل تغنيه وتعمه.
وفي هذا التصور، لا يعد الريف استثناء ولا جزيرة معزولة، بل مكونا اصيلا من مكونات التوازن الوطني. فالخصوصية التي يتمتع بها ليست حالة منفصلة ولا عبئا اداريا، بل احدى الركائز التي تقوم عليها الرؤية المغربية للتعددية، كما اطـرها الدستور وكما جسدتها الخيارات الملكية منذ بداية العهد الجديد.
لقد اقر الدستور في ديباجته، ثم في فصوله التنظيمية، ان الهوية الوطنية تتشكل من روافد متعددة تنصهر في وحدة غير قابلة للتجزيء. وهذا الاقرار لم يكن استجابة ظرفية، بل خلاصة لمسار تاريخي من بناء الدولة المغربية على مبدأ استيعاب الاختلاف ضمن مؤسسات السيادة.
وفي هذا السياق، يمثل الريف شهادة دائمة على هذا التعاقد الوطني: مجال قاوم الاستعمار، وشارك في بناء الدولة، وعبر في محطات مختلفة عن عمق انتمائه، دون ان يتنازل عن لغته ورموزه وذاكرته. وهذا ما يجعل الحديث عنه اليوم، ليس مجاملة لجهة، بل تثمينا لاختبار وطني ناجح في ادارة التعدد.
لقد اكد الدستور، كما اكدت التجربة المؤسساتية، ان التعددية ليست تهديدا، بل رافعة من روافع الانتماء. ومن هذا المنطلق، فان من حق هذه الارض الكريمة ان تقطف نصيبها من ثمار التنمية التي يعيش على ايقاعها الوطن. لا بوصفها جهة تطالب، بل بصفتها مكونا يندرج في صلب المشروع الوطني المتوازن، ومجالا من مجالاته الحيوية التي تتطلب استثمارا في الذاكرة والمكان والبشر.
على مدى عقدين من القيادة المتبصرة للملك محمد السادس، ترسخ هذا الوعي بالتعدد، وتعزز حضور البعد المجالي في السياسات العمومية. ولم يكن الحديث عن العدالة المجالية مجرد شعار، بل توجها استراتيجيا استند الى تقارير وطنية، واختيارات كبرى، ومؤسسات استشارية اعادت ترتيب الاولويات وفق منطق التوازن والانصاف.
وفي قلب هذا التصور، لا تعامل الجهات على قاعدة المركز والهامش، بل تفهم كمكونات متكاملة في مشروع تنموي موحد. فالجهوية المتقدمة، كما نص عليها، لم تات لتجميل الخريطة الادارية، بل لتكريس مبدأ ان الاختلاف في الحاجيات لا يلغي الانتماء الى نفس الافق الوطني.
من هذا المنظور، لا حاجة لاستحضار الاشخاص ولا الوقائع، بقدر ما الحاجة ماسة لتثبيت الرسالة: رسالة وطن يتسع لجميع ابنائه، ويعلي من شان الانصاف المجالي، ويجعل من المصالحة رصيدا مؤسساتيا لا رد فعل عابرا. فالدولة لا تبنى على التجاوز السريع، بل على الاعتراف المتبصر بكل روافدها، وفي مقدمتها المناطق التي شكلت دائما جسورا للتوازن والثقة.
ليس المطلوب ان ينسى ما سبق، ولا ان يختزل في سرديات متقابلة، بل ان يدمج ضمن افق وطني مشترك. وطن يدير الاختلاف داخل الوحدة، ويمنح لخصوصياته المجالية ما تستحقه من اعتبار ومشاركة وموقع، ويبقي جسور الثقة ممدودة بين المركز والاطراف، على قاعدة المواطنة المتكافئة.
ان المغرب، وهو يواصل هذا المسار، يملك من الرصيد التاريخي والدستوري والتجريبي ما يؤهله لترسيخ هذا التوازن. ويظل الريف في صميم هذه الدينامية: لا كصدى لصوت معزول، بل كرافد من روافد الوطن، كلما تعزز حضوره، زادت الوحدة صلابة وعمقا. فلا عدالة بدون توازن، ولا وحدة وطنية صلبة بدون تعددية محترمة ومؤطرة.


