حمزة الحساني
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد رسول الله ﷺ، النورِ الذي وسعَ الخلائقَ رحمةً، والحبيبِ الذي بُعث للعالمين بشيرًا ونذيرًا.
مدخل: مقطعٌ واحدٌ يكشف انحرافًا عميقًا
تداول روّاد منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو أثار موجةً من الصدمة والاستنكار، يظهر فيه أحدُ أتباع بعض المتصوّفة — ممّن يُنصِّبون أنفسهم أدعياءَ للطريق — وهو يُطلق عبارات التكفير جزافًا في حقّ كلِّ مسلمٍ لم يُبايع شيخَه ولم يدخل تحت عباءته. والمشهدُ في ذاته ليس مجرّد زلّة لسان أو فلتة جاهل، بل هو عَرَضٌ مُقلق لداءٍ بدأ يتسلّل إلى بعض الأوساط المنتسبة إلى التصوّف، مُشَكِّلًا ما يمكن تسميته بـ “الصوفية التكفيرية”: تيارٌ غريبٌ على روح التصوّف، دخيلٌ على منهجه، شاذٌّ عن مقاصده.

ويأتي هذا في سياقٍ تاريخي لافت؛ إذ بعد عقودٍ من هيمنة خطاب “السلفية التكفيرية” على المشهد الديني، وما خلّفته من فتن وحروب واستباحة لدماء المسلمين بدعوى الإيمان، بدأ هذا التيار في الانحسار النسبي، ليظهر من رحم الطرف المقابل — الذي طالما تغنّى بالمحبة والتسامح — نسخةٌ مقلوبةٌ تستعير أدوات التكفير ذاتها، لكن بعمامةٍ صوفية ومسبحةٍ في اليد!
أوّلًا: التكفير — ذلك السيف الذي لا يحملُه إلا جاهل
إنّ التكفير حكمٌ شرعيٌّ خطيرٌ، لا يُطلَق على عواهنه، ولا يملك إصدارَه إلا من أحاط بشروطه وموانعه إحاطةَ العالِم الراسخ. فالتكفير حكمٌ ثابت بنصوص الكتاب والسنة، لا اختلاف فيه بين أصحاب الوسطية وغيرهم، وإنما الاختلاف في التطبيق؛ فأصحاب الوسطية والاعتدال لا يُطبّقونه إلا على من تبرّأ من الإسلام علنًا، بينما الغلاة والجفاة يُطبّقونه على كلّ من خالف آراءهم وأفهامهم من المسلمين.
وقد أشار الباحثون إلى أنّ هناك في أوساط المسلمين تيارَيْن من أصحاب تكفير المسلمين، هما: التيار الصوفي الغالي، والتيار السلفي الجافي. غير أنّ ظهور التكفير في الوسط الصوفي بهذا الشكل الفجّ — أن يُكفَّر المسلمُ لمجرّد أنه لم يتّبع شيخًا بعينه — يمثّل نقلةً نوعيةً خطيرة في تاريخ هذا الانحراف.

ثانيًا: التصوّف الأصيل — دينُ المحبّة لا دينُ الإقصاء
إنّ من يعرف التصوّف الحقيقيَّ يعلم أنّه مدرسةُ القلب المفتوح، ومنهجُ الروح التي تسعُ الخلائق جميعًا بالرحمة وحسن الظنّ. إنّه طريقُ الجنيد الذي كان القنطرةَ التي ضيّقت الشُّقّة بين الصوفية والسلفية، حتى قال عنه ابن تيمية: “الجنيد من شيوخ أهل المعرفة المتّبعين للكتاب والسنة.” وقال في موضع آخر: “كان الجنيد رحمه الله سيّد الطائفة، إمام هُدى”.
هذا الجنيد نفسُه، سيّد الطائفة، حين سُئل عن المحبّة قال — كما ورد في التراث الصوفي —: “أن تحبّ ما يحبُّ اللهُ تعالى في عباده، وتكره ما يكره الله تعالى في عباده.” فأين هؤلاء المكفِّرون من هذا المنهج الذي يجعل محبّة الله مرآةً لمحبّة عباده؟
وكان الإمام الجنيد يعتمد في مذهبه على دقائق التوحيد وأسراره، حتى كان الناس ينقلون عنه عبارته الشهيرة: “التوحيد إفراد القديم عن الحدث”، وهو توحيدٌ يرفع القلب إلى الله لا يُنزله إلى مستنقع تكفير العباد.
وأمّا سهل بن عبد الله التستري، ذلك الإمام الكبير، فقد قال حين سُئل: من أصحبُ من طوائف الناس؟ “عليك بالصوفية، فإنّهم لا يستكثرون ولا يستنكرون شيئًا، ولكلّ فعلٍ عندهم تأويل، فهم يعذرونك على كلّ حال”.
فانظر — رعاك الله — إلى هذا المنهج الذي يجعل التأويل والعُذر والرحمة أساسَ التعامل مع الخلق، ثمّ قارنه بمن يُكفِّر الناس لأنهم لم يُبايعوا شيخًا بعينه! أيُّ بونٍ شاسع بين الثرى والثريّا!.

ثالثًا: الشيخ الحقيقي يفتح القلوب لا يُغلقها
إنّ الشيخ المربّي في المنهج الصوفي الأصيل ليس “حاكمًا” يُوالي ويُعادي على بيعته الشخصية، بل هو مرآةٌ يرى فيها المريدُ عيوبَ نفسه، ودليلٌ يُرشده إلى الله لا إلى ذاته. والطريقة الصوفية في أصلها ليست حزبًا سياسيًّا ولا تنظيمًا عسكريًّا يُكفَّر الخارجُ عنه، بل هي منهجُ سلوكٍ إلى الله قائمٌ على التزكية والمجاهدة والذكر.
وقد كان التصوّف السنّي العملي ثابتًا من الثوابت الدينية، معتمدًا على طريقة الإمام الجنيد في التزكية وتهذيب النفس والذكر والتربية.
فمن أين جاء هؤلاء الأدعياء بفكرة أنّ من لم يتّبع شيخًا بعينه فهو كافر؟ هذا ليس تصوّفًا، بل هو عبادة الأشخاص مغلّفةٌ بلبوس الولاية، وتأليهٌ مبطّن للشيخ يتنافى مع أبسط قواعد التوحيد التي اتّفق عليها أئمة التصوّف أنفسُهم.
رابعًا: تحليل الظاهرة — لماذا الآن؟
يمكن تفسير ظهور هذا التيار “الصوفي التكفيري” بعدّة عوامل متشابكة.
فراغ التطرّف: مع تراجع خطاب السلفية التكفيرية وانحسار جاذبيته، يبدو أنّ “فيروس التكفير” — إن جاز التعبير — لا يموت بل ينتقل من جسدٍ إلى آخر، ومن وعاءٍ فكري إلى وعاءٍ مقابل.
الجهل بالعلم الشرعي: كثيرٌ من أدعياء المشيخة اليوم لا حظّ لهم من العلم الشرعي ولا من الذوق الصوفي الحقيقي. وقد كان الشبلي ليس فقط صوفيًّا زاهدًا، بل كان فقيهًا عالمًا بمذهب مالك، وكان للجنيد حظٌّ كبير من علوم الفقه ومعارف الشريعة، فتفقّه على العالِم أبي ثور الكلبي، وجلس للإفتاء في حلقة شيخه وهو ابن عشرين. فأين علمُ هؤلاء المكفِّرين من علم أولئك الأئمة؟
تحوّل الطريقة إلى “قبيلة”: حين يتحوّل الانتماء للطريقة من انتماءٍ روحي إلى انتماءٍ عصبيّ قبَلي، يصبح الآخرُ — بالضرورة — عدوًّا يجب إقصاؤه، وتصبح المبايعة للشيخ بديلًا عن الإيمان بالله، والخروج عن الطريقة مرادفًا للخروج عن الملّة! وهذا حالٌ يكمن في إرهاب الأتباع وإحكام القبضة عليهم حتى لا يخرجوا من فرقتهم.
وسائل التواصل الاجتماعي: التي أعطت لكلّ جاهل منبرًا، ولكلّ متطرّف جمهورًا، ولكلّ فكرةٍ شاذّة فرصةً للانتشار.
خامسًا: ميزان الأولياء — بين الادّعاء والحقيقة
يقول أهل الله: “الوليُّ من والى اللهَ فوالاه الله.” والولاية عندهم ليست ادّعاءً يُطلَق باللسان، بل هي حالٌ يشهد بها القلبُ والسلوكُ والأثر. والعلامة الأولى للولاية الحقيقية هي سعة الصدر ومحبّة الخلق والرحمة بالعباد والتواضع لهم، لا احتقارُهم وتكفيرُهم.
فالحلّاج — على ما أُثير حوله من جدل — لم يُكفِّر أحدًا من الخلق، بل وسِع بقلبه المسلمين واليهود والنصارى والمجوس. وابن عربي — الشيخ الأكبر — كان يقول:
لقد صار قلبي قابلًا كلَّ صورة…
فكيف يدّعي التصوّفَ من ضاق قلبُه عن أخيه المسلم لمجرّد أنه لم يبايع شيخًا بعينه؟!
سادسًا: مناشدة ودعوة
إنّنا أمام ظاهرة تستوجب وقفةً جادّة من:
أهل التصوّف الحقيقيين: أن يتبرّأوا من هذا الخطاب التكفيري الذي يُشوِّه طريقَهم ويُسيء إلى أئمّتهم، وأن يُبيّنوا للناس أنّ هؤلاء المكفّرين ليسوا منهم، كما أنّ السلفية التكفيرية ليست من السلفية الحقيقية.
العلماء والمؤسسات الدينية: أن تتصدّى لهذا الخطاب بالعلم والبيان والحجّة، لا بالتجاهل والصمت.
المريدين والأتباع: أن يُعملوا عقولهم ولا يُسلّموا قيادَهم لكلّ من ادّعى المشيخة، فإنّ بعضهم قد انحرف عن النهج الذي أسّسه الجنيد وأمثاله، وأنّ العودة إلى سُنن الجنيد كفيلٌ بالتطابق والتكامل.
خاتمة: عودةٌ إلى النبع
إنّ التصوّف الحقيقي — تصوّف الجنيد والشبلي وسهل التستري وذي النون المصري ومعروف الكرخي ورابعة العدوية — هو تصوّف المحبّة التي تسع الكون، والرحمة التي تشمل الخلائق، وحُسن الظنّ بالمسلمين وبربّ المسلمين. إنّه تصوّفٌ يرى في كلّ مخلوق آيةً من آيات الله، وفي كلّ قلبٍ بابًا يمكن أن يُفتح إلى الله.
أمّا هذه “الصوفية التكفيرية” فليست من التصوّف في شيء. إنّها وليدة الجهل والغرور والتعصّب الأعمى، وهي — كسابقتها “السلفية التكفيرية” — إلى زوالٍ وأفول، لأنّ كلّ ما بُني على غير أساسٍ من الحقّ فمصيره السقوط.


