سيارات أجرة ذاتية القيادة تحلق فوق المباني الشاهقة، وطائرات بدون طيار للتوصيل، ومركبات طائرة تتوفر على ممرات خاصة للملاحة الجوية… مشاهد تبدو كأنها من الخيال العلمي، لكنها في الواقع ستبدأ في أخد حيز مهم في الحياة اليومية بالصين.
هذا النمط الاقتصادي الواعد استأثر باهتمام صحافة البلد الآسيوي في الأشهر الأخيرة، ويطلق عليه اسم “اقتصاد الارتفاعات المنخفضة”، وهو مفهوم يشير إلى الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي تجري في مجال جوي يقع عموما على ارتفاع أقل من 1000 متر.
ويشمل اقتصاد الارتفاعات المنخفضة، الذي تم اعتماده رسميا من طرف الحكومة الصينية سنة 2021 وتم اعتباره أولوية اقتصادية رئيسية سنة 2023، على الخصوص، مركبات جوية كهربائية للإقلاع والهبوط العمودي لنقل الركاب، وطائرات بدون طيار للتوصيل (مسيرات)، وغيرها من التطبيقات، فضلا عن الرحلات الجوية الترفيهية.
وبحسب تقرير صادر عن معهد أبحاث تابع لوزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، نما حجم هذا القطاع بنسبة 33,8 بالمائة على أساس سنوي سنة 2023، ليصل إلى 506 مليار يوان (70 مليار دولار أمريكي).
ويتوقع المعهد أن تبلغ قيمة السوق 2.000 مليار يوان (280 مليار دولار) بحلول سنة 2030.
وخلافا للبلدان الأخرى حيث يسجل اقتصاد الارتفاعات المنخفضة تقدما أقل أو أكثر أهمية ، فإن الصين تبقى حالة خاصة لأنها مرتبطة بحجم الالتزام الحكومي وادماج هذه التكنولوجيا في الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية للبلاد.
وأصدرت وزارة الصناعة في أبريل الماضي توجيها يهدف إلى تحفيز العرض والابتكار في “معدات الطيران العامة”، مع تطبيقات في “النقل الجوي الحضري”.
وأشارت الوثيقة إلى أنه “بحلول سنة 2030 (…) سيتم ادماج معدات الطيران العامة بالكامل في الإنتاج والحياة اليومية، لتصبح قوة دافعة قوية للنمو الاقتصادي”.
وتسير المدن الكبرى بالبلاد في هذا الاتجاه باستثمارات ضخمة، حيث أعلنت منطقة شنزن (جنوب) الشهر الماضي عن مخطط استثماري بقيمة 12 مليار يوان (1,6 مليار دولار) لتطوير البنية التحتية المخصصة لاقتصاد الارتفاعات المنخفضة على مدى العامين المقبلين.
وتحتضن شنزن شركات رئيسية في هذا المجال من قبيل “دي جي اي”، أكبر مصنع في العالم للطائرات بدون طيار (مسيرات)، وشركة “يونايتد ايركرافت”، التي تستعد لإنتاج كميات كبيرة من “لانينج R6000” وهي طائرة مسيرة قادرة على حمل 12 راكبا أو طنين من البضائع، وبلوغ سرعة تصل 550 كم/ساعة وتطير بشكل مستقل لمسافة تزيد عن 4000 كيلومتر.
ويعتبر الالتزام الذي أبدته الشركات الصينية حاسما في هذا الصدد. فعلى سبيل المثال، أكملت شركة “أوطو فلاي” بنجاح أول رحلة لها بين المدن بواسطة سيارة أجرة جوية بخمسة مقاعد في مارس الماضي، حيث ربطت بين مدينتي شنزن وتشوهاي (جنوب) في 20 دقيقة بدلا من ثلاث ساعات بالسيارة.
وفي أكتوبر الماضي، قدمت شركة صناعة السيارات “اكسبنج” طرازها “لاند ايركرافت كاريير” وهي مركبة هجينة تجمع بين الوحدات الأرضية والجوية، ومن المرتقب إنتاجها بكميات كبيرة ابتداء من سنة 2025.
وبدأت شركة “اكسبنج” مؤخرا في بناء أول مصنع لإنتاج السيارات الطائرة في الصين، في مدينة غوانزو (جنوب).
وبحسب الشركة الصينية سيكون هذا المصنع، الذي يمتد على مساحة 18 هكتارا، “أول منشأة إنتاج ضخمة في العالم للمركبات الطائرة”، بطاقة سنوية مرتقبة تبلغ 10 آلاف وحدة.
وهكذا فإن الأهداف التي أعلنت عنها الصين في هذا المجال تبدو قابلة للتحقيق من الناحية التقنية، وذلك بفضل السوق الداخلي الواسع الذي يمكن من اجراء الاختبارات على نطاق واسع، والتملك السريع من طرف النسيج الصناعي المحلي، وسلسلة التوريد القوية الملائمة للتصنيع والابتكار.
ومع ذلك، فإن هذه التطورات تثير تساؤلات بشأن السلامة وتنظيم القطاع وتأثيره البيئي.
ويؤكد العديد من الخبراء أن تدبير الحركة الجوية على ارتفاعات منخفضة، والوقاية من الحوادث، والحد من التلوث ستفرض نفسها كتحديات كبيرة.
ودعوا في هذا الصدد إلى إنشاء إطار تنظيمي مناسب لضمان سلامة هذه المنتجات الطائرة، وادماجها الفعال في المجال الجوي، فضلا عن تكوين يد عاملة مؤهلة قادرة على ضمان إدارتها وصيانتها.
ومن الواضح أن تطور اقتصاد الارتفاعات المنخفضة بالصين ستكون له فرص كبيرة للتأثير على مستقبل التنقل، ويبقى فقط معرفة كيف ستندمج هذه الصناعة الجديدة في المشهد الحضري والاقتصادي للعملاق الآسيوي، وحتى على المستوى العالمي.

