تزايدت خلال الأشهر الخمسة الماضية مؤشرات رهان الشركات الصناعية الكورية على المغرب، بعد أن اختارت مجموعة هيونداي روتيم تحويل المملكة إلى قاعدة لتموقعها السككي خارج آسيا، ضمن صفقة وُصفت بالأضخم في تاريخ الشركة.
ولم يكن العقد الموقّع في فبراير الماضي مع المكتب الوطني للسكك الحديدية مجرد استجابة لطلبية قطارات، بل تتويجاً لمسار تقييم طويل الأمد للمخاطر والفرص، واستجابة مباشرة لبنية استقرار لا تتوفر في أسواق مماثلة.
وبلغت قيمة الصفقة 2.2 تريليون وون كوري، ما يعادل 1.54 مليار دولار أمريكي، وتشمل توريد 110 قطارات كهربائية حضرية مزدوجة الطابق.
وقد منح هذا التعاقد الشركة منفذا مباشرا إلى مشروع سككي واسع يُنتظر أن يرفع طول الشبكة الوطنية إلى 5100 كيلومتر بحلول 2040، مع تعزيز الربط بين مراكز الإنتاج والجهات الداخلية، في ما يُنظر إليه كأحد أركان السيادة الاقتصادية المغربية.
القرار الاستثماري الكوري لم يتأسس على مبدأ التصدير الخالص، بل ارتبط بشروط توطين تصنيع وتكوين وتأهيل، تم تثبيتها ضمن الاتفاق الموقع مع شركة Korail، التي ستتولى نقل الخبرة في مجال الصيانة والتشغيل.
وستدخل أكثر من 200 شركة كورية صغيرة ومتوسطة في سلسلة إنتاج القطارات، مما يعكس رغبة في بناء منظومة متشابكة تربط بين التصنيع المتقدم في كوريا وشبكات التوزيع عبر المغرب نحو أوروبا وإفريقيا.
من جهة أخرى، يشكّل هذا التحول امتدادا لتجربة سابقة رسّخت الثقة في المغرب كمركز صناعي مرن. فشركة Hands Corporation سبقت إلى إنشاء وحدة لصناعة جنوط السيارات مخصصة بالكامل للتصدير، وهو ما فتح أعين مجموعات أخرى على إمكانية العمل من المغرب وفق نماذج موجهة نحو القيمة والتخصص.
وخلال حديثه إلى وكالة المغرب العربي للأنباء نهاية يوليوز، لم يتردد جونغ هون كيم، المدير التنفيذي للأسواق الخارجية بهيونداي روتيم، في التعبير عن إعجابه بما وصفه بـ”القدرة المغربية على بناء رؤية تنموية طويلة المدى تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس”، مضيفا أن “الاستقرار المؤسساتي وسط عالم متقلب، يمنح للمستثمرين سببًا كافيًا للالتزام دون تردد”.
هذا الاستقرار لا يقتصر على محيط القرار السياسي، بل يشمل أيضا وضوح المساطر الإدارية، وقابلية الربط البنيوي بين الموانئ والطرق والأنظمة اللوجستية. وهي معايير تعتبرها كبريات الشركات شرطا مسبقا لتوطين صناعة عالية التركيب، كتلك التي تتطلبها القطارات الكهربائية المزدوجة.
وعلى امتداد الأشهر الماضية، لم تقتصر إشارات الارتياح على هيونداي روتيم وحدها. بل هناك مؤشرات متزايدة تصدر من الفاعلين الصناعيين الكوريين حول استعدادهم للتوسع في مجالات أخرى، لا سيما في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وهما مجالان تحتل فيهما المملكة موقعاً متقدماً ضمن الاستراتيجيات الصناعية لعدد من الشركاء الأوروبيين والآسيويين.
ويبدو المغرب، في نظر صانعي القرار الصناعي الكوري، أكثر من مجرد زبون أو سوق نهائي. يُنظر إليه كبنية مؤهلة لاحتضان أنشطة معقّدة، وتصدير منتجات تحمل علامة “صنع في المغرب” نحو أسواق ذات معايير صارمة. حيث تحول هذا التقدير خلال السنوات الأخيرة، من مجرد فرضية إلى قناعة، ومن ثم إلى التزام مالي ملموس، كما أظهر ذلك عقد هيونداي.
ولا يتعلق الأمر بإعلان نوايا، ولا بتصريحات علاقات عامة. التحول حاصل، والأرقام باتت تُلزِم الطرفين بسؤال أكبر من التبادل التجاري: كيف يمكن توطيد شراكة صناعية مستدامة لا ترتبط فقط بالسكك، بل بالمنظومة برمتها؟ الإجابة لم تُكتب بعد، لكن الظروف المحيطة بها تُظهر أن المغرب وضع نفسه، منذ سنوات، حيث يجب أن يكون.

